الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


جريمة قتل الانتماء… حين ينجو الوطن ويُقتل المواطن

حامد الضبياني

2025 / 11 / 15
قضايا ثقافية


يا لها من جريمةٍ متقنة تلك التي تُرتكب كل يوم في وضح العقل، دون أن يرفّ لها جفن، ودون أن يكتشفها محقق أو يتدخل فيها قاضٍ. جريمة لا تحتاج إلى مسدس ولا إلى بصمات، لأن القاتل محترف إلى درجةٍ لا يترك فيها أثرًا، والضحية لا تصرخ، بل تبتسم. نعم… قتل الانتماء اليوم يجري بابتسامة الضحية،وبحكمة الجلاد، وبرضا الجميع، كأن العالم كله عقد اتفاقًا سريًا: «دعونا نتظاهر بأننا ننتمي… ونجعل الانتماء يموت وحده».في زمنٍ أصبحت فيه القيم مثل بطاريات الأجهزة، تفرغ بسرعة وتحتاج إلى شحنٍ يومي، قرر العالم أن الانتماء فكرة قديمة، بدائية، تشبه التلفزيون ذي الهوائي المعدني. العالم اليوم يريد هوية "واي فاي"، تتصل تلقائيًا، بلا تاريخ، بلا جذور، بلا عشيرة، بلا تربة، وبلا تلك الرائحة التي تشبه عرق الفلاحين وذكريات الجدات. يريد هوية خفيفة، لا تحتاج إلى أرضٍ تقف عليها، ولا إلى وطنٍ يثقل الكاهل. ولذلك، لم يجدوا طريقة أنجح من قتل الانتماء… قتلاً ناعمًا، أنيقًا، معقّمًا من الألم.في الماضي، كان الإنسان يبكي إذا غادر الوطن، ويتحسر إذا ابتعد عنه، ويخاف أن تضيع له رائحة أو ذكرى. اليوم، يغادر الناس الوطن كما يغادر أحدهم مطعمًا لم تعجبه نكهة الطعام. يطوي الوطن في حقيبة السفر مثل قميصٍ قديم، ويرميه لاحقًا في المغسلة إن تلطخ بشيء من الحنين. أيُّ انتماء هذا الذي نبحث عنه؟ انتماء العالم الحديث يشبه صفحة تعريف على السوشيال ميديا: مليئة بالرموز، فارغة من العمق، ولا تحتاج سوى إلى تحديث كل ستة أشهر.القاتل الحقيقي للانتماء ليس الظلم، ولا الفقر، ولا الغربة… القاتل الحقيقي هو تلك العبارة المضحكة التي تتردد في الرؤوس: «وشنو حصلت من حب الوطن؟» سؤال لو سمعه القدماء لانتحروا من الضحك، أو ربما من القهر، لأنهم كانوا يعتقدون أن الانتماء لا يأتي لمنفعة، بل يأتي للروح. أما اليوم، فيطلب الإنسان فواتير عاطفية:كم أعطاني الوطن؟ ما الفائدة من الانتماء؟ هل يأتي مع ضمان؟ وهل يشمل خدمة ما بعد البيع؟..في هذه الكوميديا السوداء، صار الوطن موظفًا فاشلًا في دائرة حكومية، يقف خلف نافذة زجاجية، يتثاءب، ويتظاهر بأنه مشغول. والإنسان يقف أمامه بطابور طويل، يحمل أوراقه، يطلب "معاملة انتماء"، فيجيبه الوطن:
«راجعنا الشهر القادم… ما عندي انتماءات جديدة هسه.»يذهب الإنسان، يعود، ينتظر، ثم يكتشف نهاية المسرحية: النافذة مغلقة… والموظف غادر… والانتماء مات من الضجر.ولأن الجريمة لا تكتمل دون مشهدٍ ساخر إضافي، قرر البعض أن يبتكر انتماءات بديلة: انتماء للمطارات، انتماء للرواتب، انتماء لمشاهير الإنترنت، انتماء لبلدان تمنح الفيزا، انتماء لشركة اتصالات إذا أعطت إنترنتًا بلا انقطاع. وأخطر هذه الانتماءات… انتماء الإنسان للغربة حتى لو كان في وسط أهله. نعم، الغربة اليوم لم تعد مكانًا بعيدًا، بل شعورًا قريبًا يسكن تحت الجلد، ويهمس في الأذن: «لا تنخدع… أنت هنا ضيف، وأقصى ما يقدمه لك هذا العالم مقعد بلا سند.»..قتْل الانتماء ليس جريمة تُرتكب على الأرض، بل تُرتكب داخل الإنسان، يومًا بعد يوم، حتى يستيقظ ذات صباحٍ فيرى أنه أصبح مثل كرسي المطار: كثير الجلوس، قليل الفائدة، دائم الانتقال. الوطن لا يُقتل، بل يتحول إلى شعار، إلى مهرجان، إلى خطابات… أما المواطن فهو الذي يُقتل، قتلاً بطيئًا، مؤلمًا، بيد الظروف التي لا يجرؤ أحد على محاكمتها.
والمأساة الأعظم أن الجميع يعرف القاتل… لكن لا أحد يجرؤ على الاعتراف، لأن القاتل يسكن فينا جميعًا. يسكن في اللامبالاة، في السخرية من الوطن، في بيع الذاكرة بأول فرصة سفر، في التعامل مع الأرض كأنها عبء. القاتل هو ذلك الصوت الذي يقول: «عادي… الدنيا تمشي». نعم، الدنيا تمشي… لكنها تمشي فوق جثة الانتماء.وفي النهاية، لا يسعنا إلا أن نضحك… ضحكة مرّة، تشبه ضحكة رجل يحرق منزله بيده، ثم يشكو من البرد. نضحك لأننا نعرف الحقيقة:
الوطن لم يمت… لكن أبناءه يتسابقون على قتله في صدورهم، ثم يقفون عند تابوته يبكون، وكل واحدٍ منهم يخفي السكين خلف ظهره.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. قطاع غزة: شهران بعد وقف إطلاق النار.. سياسة إسرائيلية ممنهجة


.. نتنياهو يقترب من القاهرة… فهل تتجاوز مصر وإسرائيل خلافاتهما؟




.. هيئة مقاومة الاستيطان: المستوطنون أقاموا أكثر من 140 بؤرة اس


.. وزير خارجية لبنان: وصلتنا تحذيرات من جهات عربية ودولية أن إس




.. العربية ويكند | تسجيلات الأسد.. صدمة ذكرى السقوط