الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
الدوغمائية والزبائنية محركا السلوك الانتخابي في العراق
حيدر داخل الخزاعي
2025 / 11 / 15مواضيع وابحاث سياسية
تعد الانتخابات في العراق لحظة سياسية شديدة الحساسية، فهي لا تعبر عن تنافس على المقاعد، بل تكشف طبيعة البنى العميقة في المجتمع والدولة من حيث النفوذ والولاء، والعلاقات الزبائنية، والتصورات الدوغمائية التي يصعب تجاوزها لذلك، فإن تحليل الانتخابات الأخيرة لا يمكن أن يقتصر على الأرقام أو نسب المشاركة، بل يتطلب فهم الاليات غير المرئية التي تحرك السلوك الانتخابي، وعلى رأسها الزبائنية والدوغمائية، وهما عاملان أساسيان يعيدان إنتاج النمط السياسي ذاته منذ عام 2003 حتى اليوم.
لا شك أن أي تحول ديمقراطي ترافقه بعض الإخفاقات، وهذا الأمر واضح في التغيير الذي شهده العراق عام 2003 والذي أنتج نظاماً توافقياً غاب في كثير من مفاصله التأسيس الصحيح لنظام ديمقراطي يقوم على أسس سليمة، إن أحد الركائز الأساسية في النظم الديمقراطية هي الانتخابات والاختيار الحر، وقد شهد العراق عدة انتخابات ابتداءً من العام 2005، إذ جرت عشرة انتخابات بين مجالس محلية وانتخابات نيابية، إلا أنها تشوبها عدة إشكالات، خصوصاً الانتخابات النيابية الأخيرة، فقد تداخلت فيها الزبائنية وحرفتها عن مسارها الصحيح لتحولها إلى عملية تبادل منفعي، بالإضافة إلى الدوغمائية القائمة على الولاءات والهويات الجامدة، وهذا الأمر يفسر لنا أسباب تراجع الديمقراطية في العراق وعجزها عن تحقيق العدالة والتمثيل الحقيقي.
إن الزبائنية ليست ظاهرة هامشية في الانتخابات العراقية، فهي ركيزة مهمة في سلوك الناخب العراقي، خصوصاً في المناطق التي تعاني غياباً أو ضعفاً في الخدمات الأساسية، فيقدم المرشح للناخبين مقابل انتخابه وعداً بالتعيين أو إكساء شارع أو إيصال ماء أو محولة كهرباء أو ربط المنطقة بمنظومة مجاري الصرف الصحي أو مساعدة مالية مؤقتة، وهذا ناتج عن غياب ثقة المواطن بالدولة ومؤسساتها، ليتحول المرشح بديلاً وظيفياً عن مؤسسات الدولة، فيكون بديلاً عن دوائر البلدية والكهرباء والمجاري، وهذا يدفع المواطنين الذين يرون في المرشح بوابة للحصول على هذه الخدمات التي تعد حقوقاً أساسية على الدولة تقديمها لجميع مواطنيها دون استثناء، لكن المنظومة الديمقراطية المشوهة في العراق حولتها إلى هبات يقدمها المرشح لناخبيه، مما يعمق العلاقة التبعية ويحول الصوت الانتخابي إلى جزء من اقتصاد سياسي تحكمه القوة والموارد.
أما الدوغمائية، التي تتمثل في الولاءات المطلقة غير القابلة للنقاش سواء كانت طائفية أو عشائرية أو مناطقية، فإنها تعطل التفكير النقدي للناخب وتجعله يبحث عن تبريرات للإخفاقات المتكررة للمرشحين وأحزابهم، ولا سيما أولئك الذين جربوا سابقاً وأعيد إنتخابهم رغم عدم تقديمهم معالجات أو حلول للواقع المتردي الذي يعيشه المواطن، فالتبعية تقف حاجزاً أمام إبداء الرأي أو التفكير في البرامج الانتخابية للمرشحين، فالدوغمائية ليست مجرد قناعات فكرية، بل هي بنية اجتماعية سياسية تعزز من خلال خطابات الهوية وتغذى عبر الانقسامات التاريخية وتستثمر عبر الإعلام الحزبي الموجه.
ورغم اختلاف هاتين الظاهرتين، إلا أنهما تشكلان تحالفاً متبادلاً ينتج سلوكاً انتخابياً مركباً، فالدغمائية تخلق قاعدة انتخابية جاهزة لا تكلف المرشح جهداً لإقناع الناخبين سياسياً، بل يكفي تحريك رموز دينية أو هوياتية لجذبهم للتصويت لصالحه، أما الزبائنية فتفي عنصر الخدمات والمساعدات بأداء الغرض نفسه، إن الدمج بين هاتين الأداتين (الزبائنية والدوغماتية) ينتج حائط صد قادر على الصمود عبر الدورات الانتخابية حتى في ظل السخط الشعبي والأزمات المتعاقبة.
إن تجليات الأداتين واضحة في انتخابات مجلس النواب للعام 2025 فرغم السخط الشعبي الذي نراه ونسمعه يومياً، والأزمات المتعاقبة التي يعاني منها البلد، إلا أن الأحزاب السياسية استطاعت توظيف هاتين الأداتين بحرفية لتعيد انتخابها من قبل الجمهور، فتارة عبر وعود بالتعيين أو رواتب الرعاية الاجتماعية أو إكساء شارع في منطقة ما، أو توزيع مكافأة، أو شراء بطاقات انتخابية بمبالغ مالية، واستعمال وتسخير إمكانيات الدولة ومؤسساتها لصالح بعض المرشحين والقوائم كنوع من الهبات للناخبين، وعلى الجانب الاخر نجح البعض بتحشيد الجمهور عبر خطاب هوياتي، فقد شهدنا قبل الانتخابات زخماً طائفياً شديداً تحت ذريعة حماية الأمة والمذهب والجماعة ومنع عودة البعث الصدامي، وهي خطابات تتجدد في كل انتخابات وتمثل بديلاً تتعكز عليه النخب السياسية التي فشلت في تقديم برامج تخدم البلد والمواطن وتنهض بواقعه، فليس هناك وسيلة لإقناع الناخب إلا التحفيز المذهبي أو التمثيل المناطقي أو العشائري، مما جعل الناخب ينقاد دون مراجعة لما قدمه المرشح أو الحزب في المرحلة السابقة.
لذلك كانت نتائج الانتخابات والفائزين فيها عبارة عن شيوخ عشائر واخرين مدعومين من قوى دينية مؤثرة وشخصيات ذات نفوذ اقتصادي وسياسي استخدمت موارد الدولة لخدمة برامجها، فهناك مناطق نجحت فيها الزبائنية، وأخرى اعتمدت فيها الدوغمائية، إن هذه العملية الجارية ترسخ هذين المفهومين وتعيد إنتاج النخب ذاتها وتثبت الهياكل والعناصر التي تتعارض مع مبادئ الديمقراطية، كالعشيرة والجهة والجماعة، كما تؤدي إلى إضعاف مبدأ المواطنة لصالح الانتماءات الفرعية، وتعيق ظهور قوى جديدة لا تمتلك هاتين الأداتين، وترسخ مفهوم الزعامة والاعتماد عليها بدلاً من مأسسة الحكم.
إن الخروج من هذا النفق المظلم ليس أمراً سهلاً، فالدوغمائية والزبائنية ترسختا بشكل ملحوظ في العراق، ومعالجتهما تتطلب إعادة بناء الدولة بشكل صحيح بعيداً عن المحاصصة الطائفية والعرقية، وبناء هوية وطنية موحدة بعيداً عن خطابات التخوين، واستبدالها بخطابات قائمة على البرامج والخدمات، وتقوية مؤسسات الدولة، كما توجد حاجة لإصلاح النظام الحزبي والانتخابي عبر وضع قوانين صارمة، خصوصاً ما يتعلق بالتمويل الحزبي واستخدام المال السياسي، خاصة في أوقات الدعاية الانتخابية، ويجب إيجاد حالة من التوازن بين المرشحين في الدعاية الانتخابية، وأن تكون دعايتهم قائمة على برامج لا على أبعاد هوياتية، وبذلك نضمن قيام انتخابات حقيقية ومخرجات قادرة على بناء الدولة ومؤسساتها.
أما في حال ترك الوضع على ما هو عليه، فسيدخل البلد في ظلام، ويغرق في نفق يصعب الخروج منه، إن تحليل الانتخابات العراقية من خلال مفهومي الزبائنية والدوغمائية يكشف أن المعضلة لا تكمن في يوم الاقتراع ولا في الإجراءات التقنية، بل في البنية الاجتماعية والسياسية التي تحكم علاقة المواطن بالمرشح.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. تركيا تنفي وجود قوات لها في قاعدة أبو الظهور بسوريا وتتهم نت
.. وزير الخارجية السوري: متمسكون بحقنا الكامل في التطبيق السلمي
.. الخارجية السورية تنفي وجود اتفاق أمني مع إسرائيل
.. رويترز: زلزال بقوة 6.1 يضرب جزيرة سومطرة غربي إندونيسيا
.. زعيمة حزب الخضر الكندي للجزيرة: 200 ألف توقيع على عريضة تطال