الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


-صوتٌ بخمسين ألف… وبلاد تُباع في المزاد-

حامد الضبياني

2025 / 11 / 16
قضايا ثقافية


يا لهذا الوطن الذي صار مقبرةً للأصوات قبل أن يكون مقبرةً للأحلام، ويا لهذا المواطن الذي وقف أمام صندوق الاقتراع كمن يقف أمام بائع سجائر، فمدَّ يده المرتجفة ليستلم خمسين ألفًا، هي في الحقيقة ليست ثمن صوته، بل ثمن ضميره وهو يُسلَّم ملفوفًا بكيس نايلون مثل لفة دجاج رخيصة، أو مثل قميص ممزق رماه الزمان على حبال الفقر. ومع ذلك يمشي مرفوع الرأس كأنه أنجز انتصارًا، بينما كل ما أُنجز هو توقيع عقد إذلال طويل الأمد مع سارقٍ يعرف جيدًا أن هذا الصوت الأرخص من الهواء سيعود غدًا ليصرخ، وسيصرخ أكثر مما يحتمل صدره الضيق.ويا لسخرية القدر… فالبائعُ اليوم هو أولُ المشتكين غدًا، يقف عند أول قطرة مطر تهبط من السماء، فينفتح فمه بالشتائم ويده على رأسه يصيح: "وين الدولة؟" أيُّ دولة تبحث عنها يا صاحبي؟ وهل تبقى دولة حين تُباع أنت في سوق نخاستك السياسي؟ أيُّ مؤسسات تنتظرها لتسعفك والمستشفى عندنا لم يعد مستشفى، بل واجهة إسمنتية تُمارس الفضيحة بكل لغاتها، يقف فيها المريض ليطلب سريرًا كما يطلب فقير رغيفًا، ويموت قبل أن يكتشف أنه مجرد ظلٍّ تائه في دهليز بلا ضوء.أم تريد مدرسة؟ مدرسة!… ياله من حلم. مدارسنا اليوم أشبه بصوامع مهجورة، صفوفها تُدرّس الغبار أكثر من المناهج، وساحاتها تتكلم لغة الخراب، والطفل فيها يجلس على كرسي مكسور يشبه مستقبل الوطن، لكن ذلك لم يمنعك من بيع صوتك، لأنك ظننت أن خمسين ألفًا ستصنع لك خلاصًا، بينما هي لم تشترِ إلا صمتك، ولم تمنحك إلا عبودية جديدة.إن الذي باع صوته لا يقل خيانةً عن الذي اشتراه، كلاهما يتقاسمان جريمة واحدة: الأول سرق الوطن بختمٍ رسمي، والثاني فتح له الباب وسلّمه المفتاح وهو يبكي من ضيق الحال. لا تخبرني بأن الحاجة قاسية، نعم قاسية، لكنها لا تبرّر أن تتحول أنت إلى جسر يعبر عليه اللصّ نحو البرلمان ليقضم ما بقي من وطنك ثم يعود إليك بعد أربع سنوات ليقول لك: "خدمناكم… صوّتوا لنا مرة أخرى!".أتعرف ما الذي صنعته بيديك؟ لقد فوّضت السارق ليُشرّع سرقتك، ومنحته الحق في أن يضحك عليك وأنت واقف في طابور البنزين، وفي طابور الدواء، وفي طابور البطاقة التموينية التي لم تعد تُسمن ولا تغني من جوع، وفي طابور الماء الذي ينقطع كلما قرر المسؤول أن يمارس هواية التجفيف. فوّضته ليحوّل حياتك إلى طابورٍ يمتد من باب بيتك حتى آخر حدود اليأس.وحين تجتاح مدينتك أول موجة مطر، وتطفو الأرصفة كأنها سفن غارقة تبحث عن ميناء، وحين تتقيأ الشوارع كل ما فيها من أوساخ، وتصبح الطرق شرايين مسدودة، لا تقل لي: "أين الإعمار؟ أين الخدمات؟" بل اسأل نفسك أولًا: أين كان عقلك حين بعت صوتك؟ أين كان ضميرك حين قبلت أن يتحول وطنك إلى فريسة؟ إنك شريك كامل في الجريمة، شريكٌ لا يمكن إعفاؤه من المسؤولية، لأنك وقّعت بيدك على صك خرابك.والنائب الذي اشتراك… لا تلومه. فهو لم يحتلّك عنوة، أنت من رافقته إلى كرسيه وقلت له: "خذني، واغتصب حقي، واصنع منّي رقمًا في سجل ضحاياك." وهو فعل ذلك بمهارة، وعدك ببحر من وعودٍ لا ماء فيها، وألقى عليك بقايا كلمات من نوع "سنصلح، سنبني، سنخدم"، ثم نسيك، لأنك نسيت نفسك أولًا.أكتب إليك اليوم لا لأجل جلدك، بل لأجل أن تفهم أن الوطن لا يبنى بالأصوات المباعة، ولا ينهض على أكتاف المرتجفين، ولا يستعيد كرامته بجيش من الحمقى الذين يظنون أن خمسين ألفًا تغيّر قدرًا. الوطن يُبنى حين يكفّ المواطن عن أن يكون جزءًا من المزاد، وعن أن يمد يده كما يمدّها الشحّاذ، ثم يتوقع أن يعيش كالملوك.
يا أيها البائع صوته، حين تتراكم المياه عند باب بيتك، وحين تتوقف شبكة الكهرباء كما تتوقف الحكايات الرديئة، وحين يعلو صراخ المرضى في المستشفيات المكسورة، لا تقل لي إنك مظلوم. أنت لست مظلومًا… أنت صانع الظلم، لأنك سلّمت المفتاح بيدك، ثم أردت للباب أن يبقى مغلقًا على غيرك فقط، بينما الخراب لا يعرف التمييز، يصلك كما يصل غيرك، ويلدغك كما يلدغ من لم يبع.
هذه البلاد تستحق من يصوّت لها… لا عليها. ومن يرفعها… لا يبيعها. ومن يسمو بها… لا يذلّها. أما أنت، فإمّا أن تعود إنسانًا، أو تبقى سلعة. وفي المزادات السياسية، السلع لا تبكي. لكنها تُرمى حين تنتهي صلاحيتها.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. واشنطن وكراكاس.. ما مصير ثروة فنزويلا من النفط؟ | #عالم_الطا


.. سيمون بوليفار.. ماذا تعرف عن مؤسس كولومبيا الكبرى؟




.. منظمة -أنقذوا الأطفال- في السودان: مئات الآلاف ما يزالون محا


.. قوات الاحتلال الإسرائيلي تقتحم مدنا وبلدات في الضفة الغربية




.. ابتكار بنكهة محلية.. كيف تعيد بيبسيكو تشكيل مستقبل الغذاء في