الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
سلطة الدولة وسلطة المجتمع: من احتواء الفكر إلى تسطيحه
يحي عباسي بن أحمد
كاتب
(Abassi Yahia Ben Ahmed)
2025 / 11 / 16
قضايا ثقافية
مقدمة
لا يمكن فهم المشهد الفكري في الجزائر دون تحليل التفاعل الخفي بين سلطة الدولة وسلطة المجتمع، فهما قوتان تتناوبان على احتواء الفكر وضبط مساحاته.
الدولة تسعى إلى إنتاج وعيٍ رسميٍّ منضبط، والمجتمع يسعى إلى حماية وعيٍ تقليديٍّ محافظ، وبينهما يضيع المثقف الذي يريد أن يُفكر بحرية.
وهكذا تتحول الجزائر إلى ساحة شدّ وجذبٍ رمزي، حيث لا يُسمح للفكر أن يرتفع إلا بالقدر الذي لا يُهدد توازن السلطة، ولا يُزعج سكون الجماعة.
الدولة وتدجين الفكر
منذ الاستقلال، بنت الدولة الجزائرية شرعيتها على ثلاث ركائز: الثورة، الوحدة، والاستقرار.
وباسم هذه الثلاثية تمّ تدجين الوعي الفكري عبر مؤسسات التعليم والإعلام والثقافة.
المدرسة لا تُعلم التفكير النقدي بقدر ما تُكرّس الطاعة والانتماء، والإعلام لا يناقش بقدر ما يُروّج، أما الجامعة فتحولت في كثير من الأحيان إلى فضاءٍ للتكرار لا للبحث.
في هذا الإطار، لا يُنظر إلى المثقف كفاعلٍ مستقل، بل كأداة لتزكية الخطاب الرسمي.
وحين يحاول أن يخرج عن هذا الإطار، يُتَّهم بالتشويش أو بـ"اللاوطنية"، وكأنّ الاختلاف الفكري خطرٌ على الأمن العام.
وهكذا تصبح الدولة راعية للفكر من جهة، ومتحكمة فيه من جهة أخرى، في مفارقةٍ تُفرغ الحرية الأكاديمية من معناها.
المجتمع كسلطة رمزية موازية
إنّ المجتمع الجزائري، بتكوينه الديني والقبلي، يحمل سلطة رمزية لا تقلّ تأثيرًا عن سلطة الدولة.
فهو يفرض على المثقف حدودًا غير مكتوبة لما يجوز قوله أو التفكير فيه.
الرقابة هنا ليست سياسية بل اجتماعية أخلاقية، قائمة على الخوف من "العيب" و"الفتنة" و"المساس بالمقدس".
هذه الرقابة الاجتماعية أنتجت ثقافة الامتثال الجماعي، حيث يضطر كثير من المثقفين إلى ممارسة الرقابة الذاتية، فيختارون السلامة على الصدق، والسكوت على المواجهة.
فالمجتمع الذي يُقدّس الانسجام يكره السؤال، والمثقف الذي يسأل يُتَّهم بالخروج عن الجماعة.
وبذلك تصبح سلطة المجتمع أكثر فاعلية من سلطة الدولة، لأنها تُمارس من الداخل، باسم الأخلاق والهوية.
من الاحتواء إلى التسطيح
حين تتواطأ سلطة الدولة وسلطة المجتمع على الفكر، لا يبقى أمام المثقف إلا خيارٌ واحد: السطحية.
فمن أجل البقاء، يتعلم الخطاب الثقافي كيف يتكيّف مع الجميع:
يتحدث بلغةٍ محافظة كي لا يُغضب المجتمع، وبمصطلحات وطنية كي لا يُثير الدولة.
بهذا الشكل، يتحول المثقف إلى محترف توازنٍ لا مفكر إشكال، ويتحول الفكر إلى شعارات مكرورة حول الأصالة والهوية، دون أي عمق نقدي.
إنّ أخطر ما في هذه المرحلة ليس القمع، بل تفريغ الفكر من مضمونه الجدلي، أي تحويله إلى تزيين للواقع لا مساءلة له.
وهذا ما يمكن تسميته بـ"تسطيح الوعي"، حيث يفقد الفكر قدرته على إنتاج المفاهيم، ويكتفي بإعادة تدوير الخطاب السائد.
نحو استعادة الفضاء الحر
إنّ تحرير الفكر في الجزائر لا يعني التمرد على الدولة أو المجتمع، بل تحرير العلاقة بين الفكر والسلطة.
ينبغي أن يُعاد الاعتبار للمثقف كصوتٍ نقدي مستقل، لا تابعٍ لسلطة ولا رهينةً لجماعة.
التحرر الحقيقي يبدأ حين يُدرك المجتمع أنّ النقد ليس خيانة، والدولة أنّ الحرية الفكرية ليست خطرًا، بل ضمانة للاستقرار.
يحتاج العقل الجزائري إلى فضاءٍ جديد يتجاوز ثنائية الدولة والمجتمع، فضاءٍ تتعايش فيه المرجعية مع النقد، والإيمان مع الحرية.
فالفكر لا يزدهر في ظلّ الصراع، بل في ظلّ الاعتراف المتبادل بحقّ السؤال.
خاتمة
لقد حوّل تضافر سلطتي الدولة والمجتمع الفكر الجزائري من مشروعٍ للتحرر إلى مشروعٍ للتبرير.
لكنّ كل فكرٍ حيّ يحمل في داخله بذرة مقاومةٍ صامتة، وما يحتاجه المثقف اليوم هو أن يسقي تلك البذرة بالشجاعة والمعرفة، حتى يستعيد الفكر مكانه الطبيعي: مجالًا للبحث عن الحقيقة، لا أداةً لحراسة الحدود.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. سياسات الهجرة الجديدة تحت المجهر القانوني.. هل تحمي أوروبا ح
.. والدا أحمد الأحمد: ابننا شجاع وأنقذ الكثيرين من الموت
.. إجلاء جندي أوكراني بكبسولة مُدرّعة يتم التحكم فيها عن بعد قط
.. فرنسا.. ما أسباب ارتفاع جرائم العنف الأسري ضد النساء؟
.. الاتحاد الأوروبي يدرس تحويل مليارات الأصول الروسية لضمان قرض