الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


-تاريخ الأعمال الفنية التي حاولت قتل أصحابها-

حامد الضبياني

2025 / 11 / 16
قضايا ثقافية


في الواجهة اللامعة لعالم الفن يبدو كل شيء بريئًا: لوحات تستريح في صالات العرض كالملائكة، تماثيل تقف بثبات كالأوصياء على الذاكرة، قصائد تتناثر على الورق كحبات المطر، ومقطوعات موسيقية تتهادى بأجنحة من ضوء. غير أن هذه البراءة ليست سوى قناع شفاف تغطي به الفنون حقيقتها الأعمق؛ فالفن – منذ بدء الخليقة وحتى هذه اللحظة – ليس وليدًا مطيعًا يخرج من يد الفنان، بل كائن حيّ، متوحش أحيانًا، يقتات على روح خالقه ويعيد تشكيل مصيره، حتى إذا اكتملت هيئته، وقف على جثة صانعه ليعلن ميلاده في العالم. هكذا كان الفن دائمًا، مشروع اغتيال صامت، تُدبَّر تفاصيله في عتمة الورشة، وفي وهج الاستديو، وفي اللحظة الخانقة التي تُولد فيها الفكرة الأولى، اللحظة التي يظن فيها الفنان أنه المُسيطر، بينما يكون العمل الفني قد فتح عينيه قبله وبدأ يختبر حدود قوته عليه.لا يوجد فنان كبير في التاريخ إلا وترك خلفه جزءًا مكسورًا من نفسه: أذن مبتورة لرسام، رئة منهكة لشاعر، جسد مهدود لنحات، روح معلقة لموسيقي، وقصة طويلة من المعاناة التي تُنسب تارة للظروف وتارة للقدر، بينما الحقيقة التي يغفل عنها الجميع هي أن الأعمال الفنية نفسها كانت تمسك بأطراف حياتهم وتضغط عليها حتى يخضعوا لتشكيلها. فمنذ اللحظة الأولى يبدأ العمل الفني بالمطالبة، لا يهدأ ولا يتراجع، يجبر صاحبه على السهر والقلق وتكرار المحاولة، يطارده في النوم واليقظة، في الشارع والمقهى، في غرف الضيق وحواف المدن، حتى يتعب الفنان من مقاومته ويستسلم، وعندها فقط يبدأ العمل بالتحول من فكرة إلى كائن مستقل، له إرادته، وله جوعه الذي لا يهدأ إلا حين يشرب آخر ما تبقى من طاقة صاحبه.
انظر إلى التاريخ وسترى أن كثيرًا من الأعمال العظمى كانت سبب نهايات حزينة. الشعراء ماتوا وهم يطاردون بيتًا عصيًا، والروائيون تركوا في دفاترهم صفحات ملطخة بعرق الخوف قبل أن تقتادهم السلطات بسبب كلمة لم يقصدوها، والرسامون ظلّوا أسرى لألوان لا تهدأ حتى تنالهم، أما الموسيقيون فتركوا خلفهم سيمفونيات مكتملة لم يسمعوا عزفها قط لأن أذن الفن كانت أكثر قسوة من أذن الزمن. الفن، حين ينهض، لا يرضى بأن يكون مجرد أثر، بل يريد أن يكون الأثر الوحيد، فيغدو الخالق مجرد وسيلة، مجرّد جسر تعبر عليه اللوحة أو القصيدة أو المقطوعة نحو الخلود، بينما يبقى الفنان نفسه على الهامش، متعبًا، منسيًا، أو ميتًا في أحيان كثيرة.والعراق، بخصوصيته الموجعة، قدّم للعالم أوضح نماذج هذه العلاقة الدموية بين الفنان وعمله. فالفنان العراقي لا يكتب ولا يرسم ولا يعزف من فائض وقت أو رفاهية، بل يخلق فنه على خطوط النار، في المدن التي يتجاور فيها الجمال مع الفقد، وفي الأزقة التي يتعلم فيها الطفل معنى الحزن قبل أن يتعلم معنى اللعب، وفي ذاكرة مثقلة لا تكاد تخرج من حرب حتى تدخل أخرى. ولهذا يغدو العمل الفني العراقي أكثر شراسة من غيره، لأنه يتغذى على دمٍ ساخن ووجع حيّ، ويطالب صاحبه بثمن غالٍ كي يسمح له بالبقاء. كم شاعرًا مات قهرًا بعد أن ترك قصيدته تنمو في دفاتر الناس؟ وكم رسامًا انطفأ على لوحاته؟ وكم موسيقيًا ضاع في ضجيج لا يشبه ضوءه؟ ليست مصادفات، بل هي طبيعة العلاقة بين الفن وصانعه في بلدٍ اعتاد أن يمنح الخلود لأعماله بينما يترك أصحابها يتساقطون في العتمة كأنهم فصول من رواية لم تكتمل.
إن الأعمال الفنية، مهما بدا عليها من هدوء وأناقة، تشبه الأطفال الذين يكبرون بسرعة فائقة، ويقررون فجأة الانقلاب على آبائهم كي يثبتوا وجودهم. الفنان هو أول من يوقّد النار وآخر من يحترق بها، لأنه يظن أنه يمسك بالخيوط بينما تكون الخيوط قد تشابكت حول عنقه. وما إن يخرج العمل إلى العالم حتى يتحول إلى سيد مطلق، تحميه المتاحف والصالات والقراء والجمهور، بينما يبقى صاحبه خارج كل ذلك، يشيخ قبل أوانه، ويُنسى بين الرفوف، كأنما كان مجرد عابر سبيل حمل على ظهره تحفة كي تنجو هي، لا هو.وهكذا، حين نتأمل تاريخ الفنون، لا ينبغي أن نغتر بجمال اللوحات ولا برصانة التماثيل ولا برهافة القصائد ولا بعذوبة الموسيقى؛ فخلف كل هذه الأعمال تقبع مأساة خفية، مأساة صراع بين الفنان وعمله، صراع لا يربحه الفنان أبدًا. العمل الفني هو الذي يولد معافى، شاهقًا، خالدًا، بينما يخرج الفنان من التجربة منهكًا، منقوصًا، كأن الفن قد أخذ منه شيئًا لا يسترد. ومع هذا كله، يستمر الفنانون في عملهم كمن يذهب إلى قدره طوعًا، لأنهم يعلمون أن الحياة بلا فن ليست حياة، وأن الموت من أجل عمل خالد أهون من العيش بلا أثر. تلك هي المفارقة التي لا يستطيع العقل أن يشرحها، ولا يستطيع القلب أن يتجاوزها: أن الفن يقتلنا… لكننا نعود إليه بأيدٍ مرتجفة، ونطلب منه موتًا أجمل.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. DEBAT • فرانس 24 / FRANCE 24


.. تريتا بارسي: غموض يحيط بالبرنامج النووي الإيراني.. وإسرائيل




.. غزة بين الفيتو الإسرائيلي والحلول المفروضة باسم السلام.. هل


.. موازين | حماس.. تحديات الواقع وخيارات المستقبل




.. نافذة من سوريا تسلط الضوء على التوغل الإسرائيلي في القنيطرة