الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
نهاية القارئ الأخير… القصة التي تُكتب بلا مَن يقرؤها
حامد الضبياني
2025 / 11 / 17قضايا ثقافية
في الزمن الذي تتغير فيه الأشياء أسرع مما نلتقط أنفاسنا، وفي اللحظة التي تتقافز فيها الصور على الشاشات كطوفان عابر يسبق الوعي ولا يترك في الذاكرة سوى غبار خفيف، تولد مأساة جديدة في قلب الثقافة الإنسانية: مأساة نهاية القارئ الأخير. ذلك الكائن الذي ظلّت البشرية تعتمد عليه عبر آلاف السنين ليحمل النار الأولى، نار المعرفة، نار المعنى، نار الحكاية، لكنه اليوم ينسحب إلى الظل كما ينسحب الضوء من شقوق الجدران، تاركًا وراءه قصصًا كثيرة لا تجد أبناءها، ونصوصًا تبحث عن عيون تسكن فيها فلا تجد غير الفراغ.إنها ليست مجرد أزمة قراءة، بل انهيار في العلاقة المقدسة بين الكلمة ومن يتلقاها. فالكتاب الذي كان في الأمس نافذة على العالم، صار اليوم مجرد أثر باهت في عالم يركض نحو ضجيج لا يفهم نفسه. كانت الحكاية تُكتب لتُقرأ، لتُناقش، لتُعاد ولادتها في ذهن الإنسان، أما الآن فهي تُكتب كأنها رسالة في قنينة تُلقى في بحر ليس فيه بشر، بحر لا يعرف فيه أحد قيمة الرسالة ولا حتى وجودها. وهنا يكمن السؤال المرّ: ما الذي يحدث حين تبقى الحكاية بلا قارئ؟ هل تموت؟ أم تظل معلّقة في الهواء مثل روح تبحث عن جسد ضائع؟
لقد تحوّل العالم المعاصر إلى غابة من الشاشات، إلى مرايا مضيئة تستهلك العين ولا تمنحها بصيرة. صار الإنسان يقرأ بعجالة، بقطرات متقطعة، كأنه يخشى أن تمنحه الجملة معنى يثقل عليه. القارئ القديم كان يبحث عن الدهشة، عن الفكرة التي تهزّه، عن الجملة التي تفتح فيه نافذة. أما قارئ اليوم، إن بقي قارئًا، فهو يغادر النص قبل أن يكتمل، ويُحمّل الكتاب همًّا لم يعد قادرًا على حمله: أن يكون سريعًا، خفيفًا، قصيرًا، بلا عمق، بلا تأمل، بلا روح.وهكذا وُلدت مأساة جديدة في الثقافة: قصة تُكتب بلا مَن يقرؤها. لا لأنها رديئة، بل لأن الزمن لم يعد يمنح الإنسان فرصة ليجلس أمام نص صامت يحتويه. الإنسان الذي كان يستمع إلى نفسه في عزلة القراءة صار الآن يهرب من نفسه إلى ضوضاء العالم. فهل يدهشنا أن تنهار روح الحكاية إذا انهارت روح المتلقي؟ إن القارئ الأخير ليس مجرد شخص يفتح كتابًا، بل هو آخر خيط يربط البشرية بتاريخها الروائي، آخر شاهد على أن الإنسان لا يعيش بالمادة وحدها، بل بما يحمله خيالُه من أجنحة.لقد كانت القراءة فعل مقاومة، مقاومة للسطحية، للزمن، للنسيان. كانت القراءة معركة شريفة يخوضها الفرد مع نفسه ليوسّع حدود عقله وروحه. أما اليوم فقد صارت القراءة تهمة، ترفًا، علامة على بطء لا يتناسب مع سرعة العالم. وحين تصبح الثقافة مجرّد خلفية للترفيه، يتحول القارئ إلى مخلوق غريب عن زمنه، ويبدأ العد التنازلي لرحلته الأخيرة.وفي هذا العالم الذي يزداد فراغًا رغم ازدحامه، تتساءل الكتب بصمتها الأبدي: لمن نُكتب؟ ومن سيحمل هذه الكلمات إلى الغد؟ وما جدوى الحكمة إن لم تجد عقلًا يلتقطها؟ كأن الثقافة نفسها تعيش حالًا من التيه، تكتب نصوصها كما يكتب المسافر أسماء المدن التي يمر بها على جدار محطة مهجورة؛ يعرف أنها ستُمحى، لكنه يكتبها لأن الكتابة آخر أشكال البقاء.إن نهاية القارئ الأخير ليست مجرد حدث ثقافي، بل هي زلزال فلسفي يضرب الجذور العميقة للإنسان. فالقارئ ليس مجرد متلقٍّ، بل هو المُكمّل السري للنص، هو النصف الثاني من القصيدة، هو الذي يمنح الحكاية حياة ثانية. فإذا غاب القارئ، ماتت الكتابة موتًا باردًا لا يشبه موت الشعراء القدامى؛ موت لا يُشيَّع، لا يُبكى عليه، موت يُدفن في ذاكرة الحاسوب تحت ملفات لا يفتحها أحد.
وفي ظل هذا المشهد المحبط، لا بد من الاعتراف بأن العالم يكتب أكثر مما يقرأ. كل يوم تُولد ملايين الكلمات، لكنّ قليلًا منها يجد طريقه إلى قلب إنسان. لقد أصبح الكاتب اليوم مثل من ينفخ الروح في تمثال لا يتحرك، يكتب بروح مكسورة لكنه مستمرّ لأن الكتابة بالنسبة له ليست رفاهية، بل ضرورة وجودية. يكتب لأنه يخشى أن يموت العالم بلا شهادة، يكتب لأن الحكاية التي لا تُكتب تموت مرتين.ومع ذلك، وسط هذا الظلام الكثيف، يظل الأمل وميضًا صغيرًا يشبه عود ثقاب في ليلة طويلة. فوجود قارئ واحد، قارئ أخير حقًا، قادر على أن يعيد للكتابة بهاءها، وللثقافة روحها، وللإنسان هويته. إن القارئ الأخير ليس نهاية العالم، بل بدايته الجديدة. هو الذي يقرأ ضد التيار، يقرأ كمن ينقذ جسدًا يغرق، يقرأ لأنه يشعر بأن الكلمات لا تزال تستحق فرصة للحياة.
أيها القارئ الذي يصل إلى نهاية هذا النص… أنت لست قارئًا عاديًا. أنت شاهد على زمن ينسحب من تحت قدميه، وأنت آخر خيط بين الحكاية وصوتها. فابقَ… لا تغادر النصوص، ولا تترك القصص معلّقة في الهواء. فالعالم الذي يفقد قارئه الأخير، يفقد قدرته على أن يحلم، وعلى أن يروي نفسه، وعلى أن يكون إنسانًا.وهكذا تبقى الكتابة مستمرة، وتبقى القصة تُكتب، حتى لو لم يبقَ في العالم سوى قارئ واحد. لأن التاريخ كله بدأ بقارئ أول، وسيُكتب بقارئ أخير… قارئ يعرف أن الحكاية بلا قارئ تشبه وطنًا بلا شعب، وسماء بلا نجوم، وحياة بلا ذاكرة.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. حماس تعلن استعدادها لتسليم سلاحها لسلطة فلسطينية -إذا انتهى
.. المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار: العقبات الحقيقية و
.. إضاءة شجرة الميلاد في ساحة كنيسة المهد بيت لحم للمرة الأولى
.. الشرع يحذر من سعي إسرائيل لإقامة منطقة منزوعة السلاح جنوب سو
.. تظاهرة ضد السلطة في تونس تحت شعار -المعارضة ليست جريمة-