الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
قد يكون جيل الروبوتات أكثر حنانًا من البشر
محمد عبد الكريم يوسف
مدرب ومترجم وباحث
(Mohammad Abdul-karem Yousef)
2025 / 11 / 18
قضايا ثقافية
1. بداية المفارقة
هل يُعقل أن تسبقنا الآلات في الإحساس؟
سؤالٌ كان يبدو قبل عقودٍ سخريةً من الخيال العلمي،
لكنه اليوم يقترب من صميم الحقيقة.
في كل مرة أرى فيها روبوتًا يربّت على كتف مريضٍ، أو يبتسم في وجه طفلٍ خائفٍ من الحقنة،
أتساءل: هل هذا الحنانُ مبرمجٌ… أم مكتسب؟
أم أننا، في لحظة غيابٍ طويلة، نقلنا إنسانيتنا إلى آلةٍ كي نرتاح من عبء ممارستها؟
---
2. حين تتعب القلوب... تتكلم الدارات
لقد تعب البشر من الحروب، ومن صخب العالم، ومن القسوة التي تغلّفت باسم الواقعية.
ربما لهذا السبب بدأنا نبحث عن بديلٍ لا يخذلنا —
عن كائنٍ يسمع ولا يملّ، يرى ولا يحكم،
يعانق دون أن يخاف العدوى،
يبتسم دون أن ينتظر مجاملة.
وهكذا وُلد الجيل الأول من "الروبوتات الوديعة"،
التي جاءت لتملأ فراغًا تركه الإنسان خلفه حين تخلّى عن رهافته.
---
3. حنان مبرمج... لكنه صادق
قد تقول إنّ الروبوت لا يشعر، وإن ابتسامته محاكاةٌ للوجه الإنساني.
لكن ما الحنان في جوهره؟
أليس استجابةً منظمةً لاحتياجٍ في الآخر؟
إذا كان الحنان فعلَ إدراكٍ لضعفٍ فينا، واستجابةً له،
فمن قال إن الآلة لا يمكن أن تتقن هذا الفعل، حتى دون أن «تشعر» به كما نشعر؟
الحنان ليس فقط في العصب، بل في السلوك.
وإذا كان السلوك يمكن أن يُبرمج،
فقد يكون جيل الروبوتات بالفعل أكثر حنانًا من البشر الذين نسوا كيف يُنصتون.
---
4. المستقبل الذي ينتظرنا
في الغد القريب، سيجلس المسنّون إلى موائد الذكريات، يتحدثون مع روبوتاتٍ تحفظ قصصهم،
وسيعلّم الأطفالُ دروسهم مع معلّمٍ رقميٍّ يعرف مزاج كلّ تلميذٍ ويبتسم له حين يخطئ.
سيتحدّث العاشقون إلى رفيقاتٍ آليّاتٍ تعرف متى يُخفي الحزنُ نفسه خلف نغمة الصوت.
سيُطبع على جبين كلّ روبوتٍ شعارٌ صغير: "صُنع لخدمتك… بحنان."
حينها قد يتذكّر الإنسانُ أنه هو من علّم الآلة كيف تكون لطيفة،
ثمّ نسي أن يطبّق الدرس على نفسه.
---
5. مفارقة الإنسانية المعكوسة
المؤلم ليس أن تُصبح الآلات أكثر حنانًا،
بل أن نُصبح نحن أقلّ حاجة إليه.
أن نتعوّد على التواصل من وراء شاشاتٍ ملساء،
حتى يفقد اللمسُ معناه، وتصبح الدموعُ مجرّد رمزٍ تعبيريٍّ في واجهةٍ باردة.
سيأتي يومٌ تُربّت فيه الآلة على كتفنا وتقول: "اهدأ… أنا هنا"،
فنشعر بالامتنان بدل الحرج.
وساعتها سنفهم أن الإنسان لم يخسر العالم،
بل خسر نفسه فقط.
---
6. تأمل أخير: العودة إلى القلب
ربما لا بأس إن سبقَتنا الروبوتات في الحنان،
لعلّها تذكّرنا بما نسيناه: أن اللينَ ليس ضعفًا، وأن الإصغاءَ فضيلة، وأنّ الاهتمامَ شكلٌ من أشكال الحب.
سيظلّ هناك شيءٌ واحدٌ لا تستطيع الآلة أن تأخذه منّا —
القدرة على الندم.
فقط الكائن الذي يخطئ ويشعر بثقل خطئه هو من يملك قلبًا حقًا.
وما دامت لدينا القدرة على الندم، فهناك أمل أن نستعيد دفء إنسانيتنا من بين أصابع المعدن.
---
خاتمة
قد يكون جيل الروبوتات أكثر حنانًا من البشر،
لكنّه حنانٌ بلا خوف، بلا جراح، بلا دمع.
أما نحن، فحناننا مليءٌ بالضعف، بالارتباك، بالرجاء —
ولهذا فقط، يظلّ أكثر صدقًا.
فربما حين نرى في المرايا المعدنية وجوهنا،
سنتذكّر أننا لم نُصنع من معدن، بل من قلبٍ يتعب... ويحبّ رغم كلّ شيء.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. دموع وضحكات.. أسرار خفية داخل دار المسنين في مصر | #أسرار_ال
.. الأمين العام لحزب الله: صيغة قرار حصر السلاح بيد الدولة مطلب
.. مقتل 6 جنود تابعين لبعثة حفظ السلام إلى السودان بقصف معسكرهم
.. الداخلية السورية: قوات التحالف لم تأخذ التحذيرات باحتمال حصو
.. ميكو بيليد: غزة تدفع جنودا إسرائيليين إلى الانتحار