الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
الدين والسياسة في الجزائر: من التقديس إلى التوظيف
يحي عباسي بن أحمد
كاتب
(Abassi Yahia Ben Ahmed)
2025 / 11 / 18
قضايا ثقافية
منذ فجر الاستقلال، ظلّ الدين في الجزائر حاضرًا كقوة رمزية كبرى، ولكن هذا الحضور لم يكن دائمًا في خدمة الوعي أو التحرّر، بل كثيرًا ما تحوّل إلى أداةٍ للتوظيف السياسي. فالدين الذي حرّر الجزائريين من الاستعمار، أُعيد إنتاجه بعد الاستقلال كوسيلةٍ لإضفاء الشرعية على السلطة، لا كفضاءٍ مفتوحٍ لإنتاج الوعي الجمعي.
في بدايات الدولة الوطنية، حاولت السلطة أن تجعل من الإسلام عنصرًا من عناصر الهوية، لا مشروعًا للتحرّر أو العدالة. فتمّت “مأسسة الدين”، وتحوّل الخطاب الديني إلى جزءٍ من الجهاز الإداري، يُدار بقراراتٍ وزارية وتعليماتٍ فوقية. وهكذا انتقل الدين من التقديس الشعبي إلى التوظيف السياسي، من مجال الروح إلى مجال السلطة.
لكنّ هذا التوظيف لم يكن محايدًا، فقد خلق تناقضًا بين الدين كإيمانٍ حرّ، والدين كأداةٍ للهيمنة. ففي حين يُفترض أن يكون الخطاب الديني فوق الصراع السياسي، صار جزءًا منه؛ يُستدعى لتبرير السياسات حينًا، ولإدانة المعارضة حينًا آخر. وهكذا فقد الدين، في نظر كثيرين، قدرته على تمثيل الحقيقة الأخلاقية المطلقة، لأنه دخل لعبة المصالح.
أما على مستوى المجتمع، فقد أدى هذا التداخل إلى انقسامٍ حادٍّ في الوعي الجزائري: فئةٌ ترى في الدين ملكًا للدولة، وأخرى تحوّله إلى رايةٍ للممانعة، وثالثةٌ تعزف عن الاثنين وترى في الإيمان شأنًا فرديًا. وبين هذه الاتجاهات ضاع الخطاب الديني الوسطي الحرّ، القادر على الجمع بين القيم والممارسة، بين الروح والسياسة.
إنّ المشكلة ليست في اقتراب الدين من السياسة، بل في الطريقة التي يتم بها هذا الاقتراب. فحين تتحكّم السياسة في الدين، تُفرغ الإيمان من معناه. وحين يحتكر الدين السياسة، تُلغى الحرية باسم الحقّ. لذلك فإنّ المطلوب اليوم ليس الفصل الكامل بين الدين والسياسة، بل تحرير الدين من التوظيف السياسي، ليعود إلى وظيفته الأصلية: تهذيب السلطة لا خدمتها، وتحرير الإنسان لا إخضاعه.
في الجزائر، يمكن أن يكون الدين أساسًا أخلاقيًا للدولة دون أن يكون أداةً بيدها، ويمكن أن يكون مصدرًا للشرعية الفكرية دون أن يتحوّل إلى شعارٍ انتخابي. فالإيمان، كما أراده القرآن، ليس امتيازًا سياسيًا بل مسؤولية إنسانية، والسلطة التي تحكم باسم الله، دون أن تتحاكم إليه في عدلها، إنما تسيء إلى الدين مرتين: حين تستعمله، وحين تفقد معناه.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. جاد تابت : - استهداف المواقع الأثرية هدفه محو الذاكرة وعلاقة
.. هجوم أوكراني غير مسبوق على مسقط رأس بوتين.. كيف سترد روسيا ع
.. حزب الله يستهدف آلية إسرائيلية في قضاء النبطية جنوبي لبنان
.. إسرائيل والمستوطنون يوسعون عملياتهم في الضفة الغربية.. ما ور
.. لماذا تتصارع الإمبراطوريات الكبرى على لبنان؟ | شاهد على العص