الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
من الدين إلى الوعي: إعادة بناء الخطاب الإيماني المعاصر
يحي عباسي بن أحمد
كاتب
(Abassi Yahia Ben Ahmed)
2025 / 11 / 18
قضايا ثقافية
تبدو أزمة الدين في عصرنا، لا في النصّ ذاته، بل في الوعي الذي يتلقّاه ويفسّره. فالدين، كما نزل، كان دعوةً إلى الوعي، لا إلى التكرار، وإلى التفكير، لا إلى التلقين. لكنّ ما حدث تاريخيًا هو أنّ الإنسان فقد مركزه في العلاقة مع النصّ، وأُعيد إنتاج الدين في صورة سلطةٍ لا في صورة رسالة.
لقد تحوّل الدين، في التجربة الإسلامية الحديثة، من فضاءٍ مفتوحٍ للسؤال إلى منظومةٍ مغلقةٍ من الإجابات، ومن تجربةٍ روحيةٍ حرّةٍ إلى مؤسسةٍ تُدير العقول أكثر مما تهديها. وهذا ما جعل الخطاب الديني ينحسر أمام التحديات الفكرية والإنسانية الجديدة، لأنّه لم يعد قادراً على استيعاب التحوّلات، ولا على مخاطبة الإنسان في قلقه المعرفي والوجودي.
إنّ إعادة بناء الخطاب الإيماني المعاصر ليست دعوةً إلى “تجديد الخطاب الديني” بالمفهوم الشائع، الذي اكتفى بتجميل اللغة وتغيير المفردات، بل هي دعوةٌ إلى ثورةٍ معرفيةٍ داخل بنية التفكير الديني نفسه، تعيد تعريف العلاقة بين الإيمان والعقل، بين النصّ والتاريخ، بين الإنسان والقداسة.
فالإيمان، في جوهره، ليس تكرارًا لقول السلف، بل اكتشافٌ دائم للحقيقة في ضوء الوعي المعاصر. ولا يمكن للمجتمعات الإسلامية أن تنهض ما لم تنتقل من “دين التقليد” إلى “وعي الإيمان” — أي من الممارسة الطقوسية الجامدة إلى الفهم العقلي المتجدد للغيب، من الخضوع الأعمى إلى المسؤولية الواعية.
الإيمان الواعي لا يخاف السؤال، بل يعتبره شكلاً من أشكال العبادة الفكرية. والوعي الذي لا يمرّ عبر الإيمان يتحوّل إلى غطرسةٍ معرفيةٍ جوفاء، كما أنّ الإيمان الذي لا يعبر بالوعي ينحدر إلى انقيادٍ فارغ. إنّ الجمع بينهما هو السبيل الوحيد إلى تجاوز الانقسام بين “الحداثي الملحد” و”المتدين التقليدي”، وبين “العقلاني المتعالي” و”الناقل المقلّد”.
في هذا الأفق، يصبح الدين مشروعًا لتحرير الإنسان لا تقييده، ومصدرًا لإنتاج المعنى لا تكرار الوصاية. فالإيمان، حين يُعاد بناؤه كوعي، يخرج من جدران المؤسسات إلى فضاء الحياة، ويستعيد قدرته على إنتاج القيم الكبرى: الحرية، المسؤولية، الجمال، والعدل.
الخطاب الإيماني الجديد لا يطلب من الإنسان أن يؤمن فقط، بل أن يفكّر في معنى إيمانه، لأنّ الله، في النص القرآني، لا يطلب الخضوع بل الفهم:
“أفلا يتدبّرون القرآن أم على قلوب أقفالها” (محمد: 24).
فالإيمان الذي يُبنى على التدبّر يحرّر، والإيمان الذي يُبنى على الخوف يستعبد. وبين الاثنين يتحدّد مصير الفكر في الجزائر والعالم العربي: هل نعيد الدين إلى وظيفته الأصلية كقوة وعي وتحرّر، أم نتركه رهينةً للخطاب السلطوي الذي يكرّر ذاته حتى الفناء؟
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. نقاش الساعة | طهران تسلم باكستان نصا جديدا من 14 بندا لإنهاء
.. وزارة الصحة الفلسطينية: استشهاد فلسطيني متأثرا بإصابته برصاص
.. مراسل الجزيرة: الاحتلال يوسع توغله شرقي غزة ويستهدف الصيادين
.. لماذا تصعّد إيران ضد منشآت مدنية رغم التحذيرات الدولية؟ | #س
.. تصعيد ميداني متواصل في جنوب لبنان.. إسرائيل توسع غاراتها وحز