الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


المشاورات الترابية بالمغرب… طقوس تشاركية أم فرصة ضائعة؟

محمد الزيري
صحفي مهني، باحث اكاديمي حاصل على شهادة الدكتوراه

(Ezziri Mohammed)

2025 / 11 / 19
المجتمع المدني


تعيش مختلف جهات المغرب منذ سنوات على إيقاع لقاءات تشاورية ومشاورات ترابية تهدف، نظرياً، إلى بلورة جيل جديد من البرامج التنموية المندمجة. ورغم الزخم الإعلامي المواكب لهذه اللقاءات، وحضور المنتخبين والمسؤولين والمجتمع المدني، فإن السؤال الجوهري يظل معلقاً: هل تُترجم هذه اللقاءات إلى سياسات عمومية فعّالة، أم أنها تتحول في كثير من الأحيان إلى مجرد طقوس بروتوكولية تُعيد إنتاج نفس الأعطاب القديمة؟
الإشكال الأساسي يكمن في غياب تقييم حقيقي لنتائج التشاور. فالمغرب نظم خلال العقدين الأخيرين عشرات المشاورات الوطنية والجهوية، من المبادرة الوطنية للتنمية البشرية إلى إعداد النموذج التنموي الجديد، مروراً ببرامج التهيئة الترابية والمخططات الجهوية. ومع ذلك، تتكرر نفس الخطابات، ونفس اللائحة الطويلة من الحاجيات: البنيات التحتية، التشغيل، العدالة المجالية، تجويد الخدمات الاجتماعية… وكأن الزمن متوقف، وكأن أدوات التشخيص لم تتغير رغم تراكم التجارب والخبرات.
ما يزيد من حدة هذا القصور هو غياب ربط حقيقي بين نتائج هذه اللقاءات وبين القرار العمومي الفعلي. فالكثير من التوصيات تبقى حبيسة الورق، تُلتقط في صور للمشاركة الشعبية ويُحتفى بها في ختام اللقاء، ثم تُنسى عند ساعة التنفيذ. وهنا يظهر خلل جوهري: التشاور يُنظَّم، لكن المشاركة لا تُترجَم إلى أثر ملموس، ولا تُرصد آليات لمحاسبة الفاعلين حول مدى احترام خلاصات النقاشات المحلية.
ومن مظاهر النقص أيضاً أن المشاورات لا تُشرك دائماً الفئات الأكثر تأثيراً أو الأكثر تهميشاً. ففي كثير من الاجتماعات، يغيب الشباب، والنساء، والفاعلون الاقتصاديون الصغار، والطلبة، والعاملون في القطاعات غير المهيكلة. بينما تحضر الجمعيات ذات العلاقة بالإدارة أو المقربة من مراكز القرار، فتتم إعادة تدوير نفس الرؤى، بنفس اللغة، وبنفس المقاربات التقليدية التي لا تُحدث الفرق.
كما أن الإعداد لهذه اللقاءات يطرح سؤالاً آخر يتعلق بجودة المعطيات المتوفرة. فغياب أرقام دقيقة، وضعف الإحصائيات المحلية، يجعل النقاش يدور أحياناً حول الانطباعات أكثر مما يستند إلى التشخيص العلمي. وهذا يفرغ التشاور من روحه، لأن السياسات العمومية لا تُبنى بالنوايا، بل تُبنى بالمعطيات والقياس والبرمجة والتتبع.
من جهة أخرى، يلاحظ أن المشاورات تركز على الاستماع أكثر مما تركز على تقديم بدائل وبرامج واضحة. إذ تنتهي اللقاءات بمجموعة من “الانتظارات”، دون أن تتبلور آليات للتنفيذ أو جداول زمنية أو مؤشرات للقياس. وهذا يجعل العمل الترابي أقل فعالية، ويُبقي الفاعلين المحليين في دائرة النقاش المستمر خارج أفق الإنجاز.
المغرب في حاجة فعلية إلى إصلاح عميق لمسار التشاور العمومي، يبدأ من الاعتراف بأن المشاركة ليست هدفاً في حد ذاتها، بل وسيلة لإعداد سياسات أكثر نجاعة وعدلاً. لذلك، يجب الانتقال من “ثقافة اللقاء” إلى “ثقافة الأثر”، ومن مقاربة شكلية إلى أخرى مبنية على الالتزام والعمل والمحاسبة. فالتنمية لن تتحقق بمراكمة الاجتماعات، بل بتفعيل توصياتها، وتحويل النقاش العمومي إلى مشاريع تنموية ملموسة يشعر المواطن بتأثيرها في حياته اليومية.
وحتى يتحقق ذلك، لا بد من إشراك حقيقي للمجتمع، وضمان شفافية المساطر، واعتماد معطيات ميدانية دقيقة، وتطوير آليات التقييم المستمر. وحدها هذه الشروط ستمنح المشاورات الترابية بالمغرب مصداقيتها، وتجعلها أداة للتغيير لا مجرد واجهة لإعادة تدوير الخطاب التنموي المعتاد.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. تفاعلات | التطورات تتسارع في اليمن.. وتفاعل واسع مع ملف الأس


.. تفاعلات | التطورات تتسارع في اليمن.. وتفاعل واسع مع ملف الأس




.. شاهد على العصر - ‏صفقة السلاح السرية.. مدير المخابرات يكشف س


.. ما وراء الخبر | كيف ينهي الاحتلال آثار أوسلو ويفرض التطهير ا




.. جنيف تستضيف مؤتمرا دوليا عن الأسرى الفلسطينيين