الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
وجوه الحبّ الأخرى
نداء يونس
2025 / 11 / 21الصحة والسلامة الجسدية والنفسية
وجوه الحب الاخرى ..
يُعرّف الفيلسوف باروخ سبينوزا الحب في كتابه "الأخلاق" بأنه "سرور يصاحبه فكرة علة خارجية"، أي أنه انتقال إلى حالة من الكمال الأعظم أو زيادة في قوة الفعل. ينبع هذا السرور من التفكير في شيء أو شخص نحبه. بهذا المعنى، لا يرى سبينوزا الحب اغترابًا، بل هو عاطفة إيجابية تُعزز من وجود الإنسان وحريته، عكس العواطف السلبية كالحزن أو الكراهية التي تُقلّل من قوة الإنسان وتجعله وجوده مرتبطا بالتقلبات الخارجية.
بالمقابل، قد يكون الحبّ، في أعمق تجلياته، أعلى درجات الاغتراب عن الذات، فهو، وإن بدا سبيلنا إلى الكشف والاتساع، وإلى القفز على ضيق اللحظة والحاضر، إلّا أنّه في جوهره إحدى أخطر التجارب الوجودية. ففي الارتحال إلى كينونة أخرى، نتعرض لنفي كينونتنا وينكشف نقصنا الذي نعثر عليه في ذات أخرى.
يكتب بودلير في اليوميات: "ما الحبّ؟ الرغبة في مغادرة الذات". هكذا يبدو الحبّ رحيلًا عن الذات نحو الآخر، انكشافًا حتى العُري، وتلاشيًا في الحضور في الذات الأخرى. "أن تعشق يعني أن تضحّي بنفسك وأن تتعهر". لا يقصد بودلير هنا التعرّي الجسدي، بل انكشاف الذات في أضعف صورها، تخليها عن الكبرياء الذي يحميها. فالعاشق، بهذا، يعرّي روحه أمام الآخر، فيتحول الحبّ إلى بغاءٍ وجوديّ — نداء نحو ذوبانٍ لا متناهٍ.
في مرحلة متقدمة من اللقاء بالآخر، تنكشف هشاشة الأنا، وينفصل الانسان عن ذاته كمركز. بهذا المعنى، يصبح الحبّ تجربة عبور من الذات إلى الآخر، إقامة في مساحة تكشف عن نقصٍ، ومسافة دقيقة بين التعالي والسقوط. ربّما كان هذا الإدراك بالانفصال عن الأنا، وهذا السقوط الحرّ في الآخر، ما جعل نيتشه يتعلّق بأوبرا كارمن لبيزيه، التي تنتهي بالمشهد الذي يعلن فيه دون خوسيه: "نعم، قتلتها، قتلت معشوقتي كارمن"!
يشكل الحبّ، في جوهره عند نيتشه، أقصى درجات الاغتراب عن الذات، حيث يتحول الوعي بحالة الاستلاب هذه إلى رغبة دفينة في تدمير الآخر، لأنّ الآخر يذكّر العاشق بحدوده، وبعجزه المطلق وبالخسارة. فحين يعجز عن احتواء المعشوق أو حفظ ذاته في حضرته، يلجأ إلى تدميره. في هذا الوعي بخطورة الحب الذي هنا تكمن المفارقة الكبرى: تحوُّل الرغبة في الاتحاد إلى عنفٍ ميتافيزيقيّ.
يتقاطع بودلير ونيتشه في رؤيتهما للحبّ كأقصى درجات الاغتراب عن الذات، وكأخطر تجربة يعيشها الإنسان في وجوده. فالحبّ ليس خلاصًا، بل مغامرة نحو المنفى في هيئة الآخر. في النهاية، يكتشف كلّ عاشق أنّه لم يكن يبحث عن الآخر بقدر ما كان يبحث عن نسخته المفقودة، تلك التي تفضحه وتمنحه إنسانيته في آنٍ، وتكشف المسافة بين "الأنا" وما لا يمكن احتواؤه... لكنّه وحده ما يجعلنا بشرًا.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. مدير المنظمات الأهلية بغزة: الاحتلال يجرف ركام غزة لطمس أدلة
.. كييف وموسكو تستخدمان المسيرات لإنجاز مهام قتالية وخدمية
.. كيف تغير أوامر وضع اليد الإسرائيلية خريطة الضفة الغربية؟
.. القوات الحكومية اليمنية تضرب مواقع الحوثيين
.. النشرة الصباحية | الاستخبارات الأميركية تضع -خطة إيران الحقي