الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
دراسة نقدية في - كتاب الشيخ عبد الحسين القرملي - حياته و شعره -
حسين علي حياوي المؤذن
كاتب روائي باحث سياسي
(Hussein Ali Hayawi Al-mu’adhin)
2025 / 11 / 21
قضايا ثقافية
#ورقة_نقدية
يتناول كتاب " الشيخ عبد الحسين القرملي (حياته وشعره)" للباحث الأستاذ حيدر علي الفتلاوي سيرة إحدى الشخصيات الدينية والأدبية المؤثرة في بيئة الجنوب العراقي و تحديدًا في قضاء الحمزة الشرقي | محافظة القادسية ، ويقدّم محاولة بحثية واسعة تجمع بين التوثيق والتحليل، مستندًا إلى منهج وصفي يعتمد على جمع المعلومات وتقديمها في سياق تأريخي ، مع إشارات نقدية متفرقة تسعى إلى الإحاطة بالبعد الأدبي للشخصية . يظهر الكتاب في مجمله بوصفه جهدًا كبيرًا في استعادة سيرة عالم وشاعر أسهم في الحياة العلمية والاجتماعية والسياسية خلال القرن العشرين ، غير أن هذا الجهد، على سعته، يفتح المجال لقراءة نقدية تبحث في بنائه المعرفي، وطرائقه المنهجية، وعمق معالجته النصية والفكرية.
ينطلق المؤلف من تقديم خلفية عن رجال الدين في مدينة الحمزة الشرقي، وهو إطار يعطي للقارئ تصورًا أوليًا عن البيئة الدينية التي عاش فيها الشيخ القرملي، لكنه يبقى إطارًا عامًا يغلب عليه الطابع الوصفي أكثر من الطابع التحليلي. كان من الممكن تعميق هذا القسم عبر ربط التحول الديني والاجتماعي في المدينة بظروف العراق السياسية والثقافية، لا سيما مع توسّع مدارس النجف وتأثيرها في تشكيل الوعي الديني للمنطقة . بعد ذلك ينتقل الكتاب إلى عرض نسب الشيخ وجذوره العائلية، وهو عرض دقيق من حيث المعلومات، إلا أنه يكتفي بذكر الأسماء وامتدادات الأسرة دون تحليل لطبيعة الدور الاجتماعي الذي شكّلته تلك العائلة أو انعكاسه على تكوين الشيخ الفكري.
وفي عرض ولادته ونشأته ودراسته، تتضح ميزة أساسية للكتاب تتمثل في غزارة المادة التوثيقية، خصوصًا في ما يتعلق بسفراته وعلاقاته العلمية وبدايات اجتهاده . غير أن هذه الغزارة لا تترافق دائمًا مع قراءة تفسّر أثر هذه المحطات في تشكيل شخصية الشيخ. فالسفر، مثلًا ، يظهر كوقائع متتابعة، لكنه لا يُقرأ بوصفه تجربة معرفية تُعدّل من رؤيته للعلم أو المجتمع. كذلك فإن حديث المؤلف عن السلوك العلمي والاجتماعي للشيخ يعرض نماذج واضحة من نشاطه النقدي والأخلاقي، ويبرز دوره في المنتديات الدينية والنجفية، وخاصة مشاركته الدقيقة في منتدى النشر وتأسيسه موكب جمهور الحمزة الشرقي، لكنه يظل محصورًا في إطار الوصف التقليدي من دون تحليل للشخصية بوصفها فاعلًا ثقافيًا يمكن قراءته وفق مفاهيم علم اجتماع المعرفة أو تاريخ الذهنيات .
وتبرز أهمية خاصة في معالجة الكتاب للمواقف السياسية المحدودة للشيخ القرملي، حيث يتناول موقفه من التجنيد الإلزامي ونفيه إلى الفاو وتعاطيه الفكري مع أزمة الشيوعية. هذا الجانب يمنح الكتاب قيمة في فهم علاقة العلماء بالدولة والمجتمع في العراق الحديث، لكنه يحتاج إلى معالجة أعمق للخطاب السياسي الذي يتبناه الشيخ، وللمرجعيات الفكرية التي ينطلق منها في مواجهة تحولات العهد الملكي. كما تغيب المقارنة بين موقفه ومواقف علماء آخرين من زمنه، وهو عنصر كان يمكن أن يغني القراءة ويكشف عن موقعه الحقيقي داخل المشهد الديني.
وعند الانتقال إلى دراسة شعره، يقدّم المؤلف أقسامًا واسعة تتناول الأغراض الشعرية التقليدية من مدح ورثاء وغزل وسياسة محدودة وطبيعة سيسولوجية ، ويعرض نماذج متنوعة من شعره، غير أن التصنيف يبقى قريبًا من الموروث البلاغي القديم . كان من الممكن الإفادة من النقد الموضوعاتي الذي يدرس الفكرة المركزية والصورة المتكررة، أو من التحليل السيميائي الذي ينظر إلى الشعر باعتباره بنية دلالية تتجاوز ثنائية الغرض والموضوع. كذلك فإن المؤلف يُبرز قدرة الشيخ على تنويع فنونه الشعرية ، من الرسالة والمعايدة إلى الموشح والتشطير والزجل والشعر العامي، وهو جانب مهم يقدّم صورة فنية واسعة عن الشاعر، لكنه يحتاج إلى قراءة فنية دقيقة في البنية الإيقاعية والصوتية وفي دوافع الانتقال بين الفصيح والعامي.
أما في تحليل اللغة والصورة والموسيقى الشعرية، فالعرض يقترب قليلًا من النقد النصّي، لكنه لا يغوص في آليات بناء الصورة ولا في العلاقات المجازية التي تحكم شعر الشيخ القرملي . كان من الممكن استخدام أدوات البلاغة الحديثة، أو الإفادة من نظرية الاستعارة المفهومية التي ترى في الصورة الشعرية امتدادًا لطريقة العقل في تنظيم التجربة. كذلك فإن الموسيقى الشعرية تُعرض بوصفها إيقاعًا خارجيًا ، من دون دراسة للموسيقى الداخلية أو البنية الإيقاعية التي تميّز نصوص الشيخ القرملي .
ويقف الكتاب أيضًا عند علاقته بشعراء عصره، مثل السيد أحمد الصافي النجفي والشيخ الشبيبي والشيخ أحمد الوائلي، وهي خطوة مهمة لأنها تربط شعر الشيخ بشبكة أوسع من التفاعل الأدبي. إلا أن المقارنات تبقى سطحية في بعض المواضع، وتحتاج إلى تحديد أوضح لمدرسة الشيخ الشعرية وخصائص صوته داخل هذا الحقل، خصوصًا في ضوء تباين المدارس الشعرية في النجف خلال تلك المرحلة.
وتحمل الملاحق قيمة وثائقية كبيرة، إذ تجمع شهادات ومقابلات ورسائل وأطاريح مهمة . هذه المادة تمنح الكتاب ثقلًا أرشيفيًا ، لكنها تستوجب معالجة نقدية تميّز بين الوثيقة والرواية الشفوية وبين الذاكرة الفردية والخبر التاريخي، وهي خطوة ضرورية لضمان الصرامة المنهجية.
وفي المحصلة العامة، يمثّل كتاب " الشيخ عبد الحسين القرملي" جهدًا مميزًا في جمع المعلومات وتوثيق السيرة وتحليل الشعر على نحو واسع، لكنه يعتمد في أغلب أجزائه على المنهج الوصفي التقليدي، ويحتاج إلى مزيد من التحليل النقدي الحديث الذي يربط النص بسياقه الثقافي والسياسي والاجتماعي. مع ذلك، يظل الكتاب مرجعًا مهمًا للباحثين في الأدب الديني والاجتماعي، وللمهتمين بتطور المؤسسة الدينية في العراق، لما يوفره من معلومات، وما يفتحه من مسارات لدراسات لاحقة يمكن أن تبني على المادة الواسعة التي جمعها المؤلف.
أ. حسين علي حياوي المؤذن
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. تفاصيل خطة الـ 15 بندا لغزة.. لماذا يرفضها نتنياهو ويصطدم مع
.. ما وراء الخبر | هل تبدأ مرحلة جديدة لإنهاء الوجود العسكري ال
.. هجوم حوثي جديد على المخا.. إسقاط 5 مسيرات وتحطم صاروخين في ا
.. مسؤول سابق بالخارجية الأمريكية يفكك أسباب رفض نتنياهو لوثيقة
.. لماذا تعرقل إسرائيل خطة ترمب بعد موافقة المقاومة؟