الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


منظومة سنحاريب المائية في وادي باستورة: قراءة تاريخية وأثرية

عبدالباقي عبدالجبار الحيدري

2025 / 11 / 22
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات


تمثّل النقوش الملكية الآشورية إحدى أهم المصادر التي توثّق تاريخ مدن كوردية بلاد الرافدين، ولا سيما مدينة أربيل التي احتفظت بمكانة دينية وسياسية بارزة في العصور الآشورية. ومن بين هذه النقوش يبرز نقش سنحاريب على نهر باستورة، الذي يكشف عن مشروع هندسي مائي واسع يربط بين جبال محافظة أربيل وداخل المدينة، ويتصل مباشرة بقدسية الإلهة عشتار أربيل.

أولًا: النص الملكي لسنحاريب ومعالمه الأساسية
يذكر سنحاريب، ملك العالم وملك آشور، في أحد نقوشه المنفذة على ضفاف نهر باستورة، أنّه قام بحفر ثلاثة أنهار تنحدر من جبال تقع ضمن محافظة أربيل الحالية. ويبدو من هذا التصريح أن المشروع لم يكن سدًا بسيطًا أو قناة عادية، بل نظامًا هيدروليكيًا مركّبًا يستغل الانحدارات الطبيعية للجبال لجمع المياه وتوجيهها نحو السهول.

وتشير صياغة النقش إلى أن الملك أضاف إلى هذه الأنهار مياه الينابيع المنتشرة على الجانبين، وهو ما يؤكد أن المشروع اعتمد على أكثر من مصدر، وهدف إلى تأمين تدفّق مائي مستقر نحو أربيل، المدينة التي كانت تُعدّ مقرًّا مقدسًا لـ عشتار السيدة الرفيعة.

ثانيًا: قناة أربيل ودورها الديني والاقتصادي
بحسب النقش، حُفرت قناة خاصّة تُدخل المياه إلى وسط مدينة أربيل، وهذا يؤكد الدور المحوري للمدينة في التخطيط المائي الآشوري. فمدينة أربيل لم تكن مجرد مركز إداري؛ بل مدينة مقدّسة ذات مكانة دينية عليا. ومن ثمّ فإن إيصال المياه إليها كان مشروعًا ذا بعد رمزي واقتصادي في آنٍ واحد:

- دينيًا: يُفترض أن المياه كانت تُستخدم في الطقوس المرتبطة بعشتار، وفي صيانة معابدها وحدائقها.

- اقتصاديًا: كانت المياه عنصرًا أساسيًا لاستدامة الزراعة حول المدينة ولتأمين حاجات السكان.

كما يشير النص إلى جعل المجرى "مستقيمًا"، وهو تفصيل هندسي يعكس وعيًا آشوريًا بأهمية تقليل فقدان المياه والتحكم بسرعة الجريان.

ثالثًا: الجوانب الأثرية للموقع – المدخل المطمور للقناة

تظهر في الموقع اليوم ـ كما في الصور المتداولة ـ بقايا المدخل المطمور للقناة في وادي باستورة. إلا أن اللوحة المسمارية التي كانت منقوشة عند المدخل قد تعرّضت للسرقة في أوائل التسعينيات، وهي خسارة كبيرة للمشهد الأثري في أربيل.

غير أن البقايا المعمارية المحيطة بالموقع ما تزال تقدم دلالات مهمة:

1. المنشآت الحجرية الضخمة
تقع على جانبي المدخل منشآت مبنية بطريقة متقنة، ذات كتل حجرية كبيرة، توضّح أن الموقع كان جزءًا من منشأة مائية ضخمة مهمتها استقبال المياه وتوزيعها.

2. الاتجاه المعماري
يشير اتجاه هذه الكتل الحجرية إلى زاوية مدروسة تسمح باستقبال المياه القادمة من الأنهار الجبلية الثلاثة التي ذكرها سنحاريب. وهذا يؤكد وحدة المشروع بين الجبال، والوادي، والمدينة.

3. التبليط الحجري للقناة
السطوح المكسوة بالحجارة الضخمة تمثّل على الأرجح تبليطًا للقناة الرئيسة، ما يؤكد أنّ الموقع لم يكن مجرد سدّ صغير، بل مجرى مائي مُهيّأ تقنيًا لتحمّل ضغط المياه ولمنع نحر التربة.

رابعًا: أهمية المشروع في تاريخ أربيل
يبرز من خلال النقش والمعطيات الأثرية أن أربيل كانت مدمجة داخل شبكة مائية استراتيجية في العصر الآشوري. ويمكن تلخيص أهميتها في النقاط الآتية:

- تكريس المكانة الدينية: وصول المياه إلى مركز المدينة يشير إلى اهتمام خاص بخدمة معبد عشتار وربما البساتين والحدائق المقدّسة.

- تعزيز الازدهار الاقتصادي: القناة ساهمت في ريّ الأراضي الزراعية حول أربيل، ما رفع إنتاجيتها وربطها بمنظومة الإنتاج الآشورية.

- التخطيط الحضري المتقدّم: المشروع يعكس فهمًا هندسيًا عاليًا، من حيث التحكم بالانحدارات، وتوجيه المياه، وتبليط القناة.

- تكامل الجغرافيا مع السياسة: إدماج جبال أربيل في مشروع مائي ملكي يؤكد أهمية الإقليم كجزء من البنية الاستراتيجية للدولة الآشورية.

خامسًا: سرقة النقش وأهمية استعادته
تعرض النقش الأصلي للسرقة في أوائل التسعينيات، وهو جزء من سلسلة خسائر تعرّضت لها آثار أربيل والمنطقة عمومًا. تمثل هذه السرقة فقدانًا لمصدر تاريخي مهم، وتبرز الحاجة الملحّة إلى:

- توثيق بقايا المنشأة المتبقية ميدانيًا ومسحها ثلاثي الأبعاد.

- إطلاق برنامج دولي للبحث عن النقش المسروق في المزادات أو المجموعات الخاصة.

- تعزيز حماية المواقع المكشوفة في وديان أربيل ومحيط القلعة.

يعد مشروع سنحاريب المائي في وادي باستورة واحدًا من أعظم الأعمال الهندسية التي تربط مباشرة بين الحكم الآشوري ومكانة أربيل الدينية والتاريخية. فهو مشروع جمع بين العمارة، والدين، والسياسة، والهيدرولوجيا القديمة ضمن رؤية ملكية هدفها إبراز قوة الدولة وتنظيم مواردها. ورغم فقدان النقش الأصلي، ما تزال المعالم الباقية تحمل شواهد مادية على مهارة الآشوريين وقدرتهم على توظيف الطبيعة في خدمة عمرانهم








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. ترامب يعلن السيطرة وإيران تتمسك بشروطها.. إلى أين تتجه أزمة


.. شبكات - -تنازل لله-.. حملة فلسطينية أسقطت ديونا بقيمة 20 ملي




.. شبكات - من أحرق السجن بعين العرب؟


.. ضربة جوية حكومية تصيب تجمعات وإمدادات الحوثي في المخا




.. القوات الحكومية اليمنية تعلن تدمير عتاد الحوثي في المخا وذو