الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


لقاء ترامب – تشي جينبيغ في كوريا الجنوبية: عندما تصبح الرسوم الجمركية المحرّك الرئيسي للسياسة الخارجية

مرتضى العبيدي

2025 / 11 / 22
مواضيع وابحاث سياسية


في خاتمة جولته الآسيوية والتي قادته الى كل من ماليزيا و اليابان وكوريا الجنوبية، التقى دونالد ترامب بنظيره الصيني في اجتماع دام مئة دقيقة، على هامش منتدى التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادي "أبيك" بمدينة بوسان في كوريا الجنوبية، لقاء تابعته جميع الدول وكبريات المؤسسات الاقتصادية والسياسية الدولية ببالغ الاهتمام، خاصة وأن اللقاءات التحضيرية الخمسة والتي انعقدت في ماليزيا لمدة يومين كاملين انتهت على نبرة تفاؤلية من الطرفين. وقد شهدت الأسواق العالمية وهي تنتظر هذا اللقاء المنتظر اضطرابا في معاملاتها. إلا أن ترامب، أصرّ أن يبقى وفيا لصلفه وفجاجته، إذ نشر على منصة “اكس” وهو يستعدّ لدخول الاجتماع أنه أوعز لوزيره للحرب بالشروع في بدء اختبار التجارب النووية المتفق عليها. فماذا يمكن أن ينتظر من رئيس جاء يفاوض على هدنة ما في “الحرب” التجارية التي أعلنها على الجميع منذ مدّة، فيسبق اللقاء باستعراض عضلاته النووية على من؟ على أكبر قوة اقتصادية في العالم، والتي تباهى رئيسها خلال الاستعراض العسكري المهيب التي نظمته بيكين بمناسبة الذكرى الثمانين للانتصار على اليابان بأن تعداد جيوشه يفوق عدد سكان الولايات المتحدة وأوروبا مجتمعتين، والذي تعدّ ميزانيته العسكرية ثاني أكبر ميزانية في العالم بعد الولايات المتحدة.
هدنة تجارية لمدة عام
لكن المتابعين لم يولوا اهتماما لتصريحات ترامب الفجّة بل ركزوا اهتمامهم على مخرجات القمة وهي التي سيكون لها انعكاس مباشر على الأسواق العالمية والتعاملات التجارية بين البلدان. وقد اتضح أن القمّة أكّدت ما ذهب إليه الخبراء في اجتماعات ماليزيا بإعلان هدنة تجارية بين البلدين لمدة عام يتم خلالها التخفيض في الرسوم الجمركية على السلع الصينية المتجهة للسوق الأمريكية بعشر نقاط كاملة لتستقرّ في حدود 47 ℅، وهي نسبة تمكّنها من أن تكون تنافسية مع مثيلاتها القادمة من دول أخرى (نذكّر هنا أن ترامب سلّط في بداية حربه التجارية على العالم رسوما بقيمة 145℅ على السلع الصينية). مقابل ذلك تعهدت الصين بالعودة الى التزوّد بفول الصويا الأمريكي الذي أحدثت مقاطعته لمدّة بضعة أشهر تدميرا شاملا لهذا القطاع وتفقيرا لمئات الآلاف من المزارعين الأمريكان، كما تعهدت برفع القيود على تجارت المعادن النادرة.
لكن المراقبين يرون أن الهدنة المعلنة لمدّة عام يُرجَّح أن تعمل فقط على استقرار العلاقات، بدلاً من حل الخلافات الجوهرية بين أكبر اقتصادين في العالم، إذ يسعى الجانبان إلى كسب الوقت لتقليص اعتمادهما المتبادل في المجالات الاستراتيجية. كما أظهرت الهدنة بوضوح مدى تقدّم الصين مقارنة بما كانت عليه خلال الولاية الأولى لترامب.
هل أسقط ترامب منظومة منظمة التجارة العالمية؟
والمعلوم أن الحرب التجارية على العالم التي دشن بها ترامب ولايته الثانية قد قلبت المعطيات رأسا على عقب. فبدلًا من سياسات تجارية تلعب فيها الرسوم الجمركية - رسوم الاستيراد والتصدير – دورًا ما، أصبحت هذه الرسوم هي المحرك الرئيسي للسياسة الخارجية الأمريكية، إن لم يكن انخراطها السياسي والاقتصادي والتكنولوجي الأوسع مع العالم.
وكل هذه المعطيات وغيرها كثير تؤكد أن أحلام نظام عالمي جديد "قائم على قواعد"، وهو نظام منظمة التجارة العالمية الذي أُطلق بضجة عام 1995، قد تلاشت نهائيا في عهد ترامب. فقد حوّلت سياساته التعريفات الجمركية إلى سلاح واضح، وهي عودة فعلية إلى قواعد مراقبة الصادرات أيام الحرب الباردة التي كانت موجهة في المقام الأول ضد الاتحاد السوفيتي ولكنها شملت أيضًا دولًا مثل الهند. عُرفت قواعد مراقبة الصادرات هذه باسم قواعد لجنة التنسيق لضوابط التصدير متعددة الأطراف (COCOM)، وهي اللجنة المكلفة بتنسيق القيود المفروضة على الصادرات من الدول الغربية إلى الكتلة السوفييتية، والتي تم حلها في عام 1994.وبعد سقوط الاتحاد السوفيتي، أصبحت اتفاقية واسينار، وهي معاهدة دولية تهدف إلى تعزيز الشفافية والمسؤولية في نقل الأسلحة التقليدية والسلع والتكنولوجيات ذات الاستخدام المزدوج. تأسست في عام 1995 لتتولى مهمة مجموعة تنسيق الرقابة الاستراتيجية سابقًا. وتلتزم الدول الأعضاء بضمان عدم مساهمة صادرات هذه المواد في زعزعة الاستقرار الإقليمي أو الدولي، وتمنع حصول الإرهابيين عليها.
إن نظام التصدير والاستيراد لمنظمة التجارة العالمية الذي أُطلق عام 1995، والذي يُفترض أنه جزء من النظام العالمي القائم على "قواعد"، كان له عمر قصير جدًا. إذ أن الولايات المتحدة عملت على تعطيل كل آليات تسوية النزاعات باعتراضها على تجديد الهيئة المشرفة عليها ضمن منظمة التجارة العالمية حتى تبقى هي المتحكّمة الوحيدة في هذه المسارات. فبقيت كل النزاعات المعروضة على منظمة التجارة العالمية دون حلّ.
ترامب يستفرد بالقرار في المادّة التجارية
إذن إن ما يختلف اليوم عن أنظمة التحكم ا السابقة - COCOM واتفاق واسينار - هو أن هذا النظام/اللانظام الحالي هو سياسة أمريكية بالكامل. فحتى حلفاؤها لا يملكون رأيًا: عليهم قبول أي قرار يتخذه ترامب! وليس من المستغرب أن الاتحاد الأوروبي وشركائه المحتملين في أوروبا لم يُظهروا أي شجاعة، إذ انصاعوا للإمبراطور ترامب، وقبلوا أي سياسة يقررها. أما بالنسبة لبقية العالم، فقد أصبح النظام التجاري مكانًا أكثر خطورة بكثير. ففي عالم ترامب، فإن قواعد التجارة تعني في جوهرها أنه لا توجد قواعد إلا ما تقوله الإدارة الأمريكية، أي الرئيس ترامب، في ذلك اليوم.
ففي المعركة الأخيرة والتي أشعلها ونفذها ترامب، بينما ركزت وسائل الإعلام العالمية على القيود الشاملة التي فرضتها الصين على صادراتها من المعادن النادرة والخطر الذي تُشكله على سلسلة التوريد العالمية، لم يُكتب الكثير عن قواعد مراقبة الصادرات التي أصدرتها وزارة التجارة الأمريكية في 29 سبتمبر من هذا العام، والتي سبقت القيود الصينية على تصدير المعادن النادرة. وقد أدى إعلان الولايات المتحدة في 29 سبتمبر إلى زيادة عدد الشركات الصينية المدرجة على قائمة مراقبة الصادرات الأمريكية من 1300 شركة إلى أكثر من 20 ألف شركة. ومثّل هذا زيادة قدرها 15 ضعفًا في عدد الشركات التي يجب أن تمتثل صادراتها الأمريكية للقيود الجديدة.
إعادة هندسة سلاسل التوريد واستحالة مراقبتها
مع صدور هذا الأمر الأمريكي، وفرض الصين قيودًا على تصدير المعادن النادرة، أصبح يتعين على كل دولة إعادة هندسة سلاسل التوريد العالمية بحيث عدنا لمنطق المعسكرين إذ يمنع على كل كيان يتاجر مع إحدى الكتلتين أن يُتاجر مع الأخرى. لقد عدنا إلى أيام كانت فيها اقتصادات الغرب والدول الاشتراكية منفصلة تقريبًا، بينما يسلك بقية العالم طريقًا صعبًا في التعامل مع كليهما.
والفرق بين النظام القديم والنظام الحالي فرق كبير إذ أن تعقيد كل منتج اليوم قد ازداد بشكل ملحوظ. فالمنتجات اليوم، كالسيارات مثلاً، تحتوي على مكونات منفصلة أكثر بكثير مما كانت عليه في الماضي. وهذا يعني أيضًا أن تعقيد سلاسل التوريد الخاصة بها أعلى بكثير مما كان موجودًا آنذاك.
إن فصل سلاسل التوريد المعقدة هذه التي تدخل اليوم في أي منتج رئيسي هو مهمة أصعب بكثير مما تعتقد الولايات المتحدة. ولا يعود ذلك إلى تعقيد النظام التجاري، بل بشكل أساسي إلى زيادة تعقيد أي منتج استهلاكي، وتعقيد تصنيعه، وبالتالي تعقيد سلاسل التوريد الخاصة به. إن تعقيد الإنتاج وسلسلة التوريد هو الذي يجعل فصل الاقتصاد العالمي إلى كتل مكتفية ذاتياً، لكل منها سلاسل توريد مستقلة ومنفصلة مادياً، أمراً شبه مستحيل. بقدر ما قد ترغب إدارة ترامب في تصديق ذلك، فإن الأمر يبدو شبه مستحيل في عالم اليوم.
وبين مؤشرات التقارب الاقتصادي وملفات الصراع الجيوسياسي، تبقى العلاقات الصينية-الأمريكية عند مفترق طرق حاسم لا يحدد مستقبل التجارة والتكنولوجيا في العالم خلال السنوات المقبلة فقط، بل وكذلك مستقبل الحرب والسلم. وإذا ما أثنى ترامب على نظيره الصيني واصفا إياه بأنه "مفاوض قوي للغاية"، فإن هذا الأخير أكد لنظيره أنه قد "لا نتفق دائماً في وجهات النظر، ومن الطبيعي أن تحدث خلافات بين القوتين الاقتصاديتين الرائدتين في العالم من حين لآخر، لكن أومن دائماً بأن تنمية الصين تتماشى مع رؤيتكم لجعل أميركا عظيمة مجدداً"








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. استعدادات الجيش السوري والشرطة العسكرية لدخول دير حافر بحلب


.. ما مستقبل علاقة -قوات قسد- بالتحالف الدولي عقب التفاهم على ا




.. مراسلة الجزيرة: استشهاد طفل فلسطيني برصاص قوات الاحتلال الإس


.. ما القراءة العسكرية لانسحاب قوات -قسد- من دير حافر في حلب؟




.. الجيش السوري يصل مشارف دير حافر بانتظار انسحاب قسد دون إعلان