الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


«المسلم في أوروبا: قراءة في التوترات العميقة للاندماج»

مالك الجبوري

2025 / 11 / 22
مواضيع وابحاث سياسية


يشهد الوجود الإسلامي في أوروبا تحولات مركبة تتجاوز تعددية الخلفيات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية للجاليات المسلمة، لتلامس البنية العميقة للهوية والدين والاندماج والتمثلات المتبادلة بين الطرفين. فالمسلم الذي وصل إلى الغرب خلال العقود الأخيرة – هربًا من انهيار الدولة أو الحروب الأهلية أو القمع السياسي أو الفقر البنيوي – دخل فضاءً قانونيًا ومدنيًا قائمًا على الحرية، والمساواة، والمواطنة، وتحييد الدين عن المجال السياسي العام. غير أن هذا الانتقال الصادم من بيئة متوترة إلى بيئة مستقرة لم يؤدِّ بالضرورة إلى انتقال موازٍ على مستوى الهياكل الذهنية والدينية. هنا تحديدًا يظهر التوتر العميق: المسلم يعيش في مجتمع حديث، لكنه يحمل معه خطابًا دينيًا تقليديًا وتصورًا هوياتيًا يصطدم جذريًا بالقيم الأوروبية الحديثة.
هذا التوتر يتجسد أولًا في خطاب التفوق الديني الذي ما يزال حاضرًا بقوة في جزء كبير من الموروث الديني والوعظي. فالفكرة القائلة بأن “المسلم خير أمة” تتحول من معنى أخلاقي إلى معنى تفاضلي يضع المسلم فوق غيره من البشر، ويُصنّف الأوروبي – مسيحيًا كان أو يهوديًا أو ملحدًا – ضمن فئة “الكفار”، وهي فئة محمّلة دينيًا بدلالات النقص والدونية. كما تزداد خطورة هذا الخطاب حين يُلبَس لبوسًا سياسيًا واجتماعيًا يقدّم غير المسلم بوصفه “أداة” خلقها الله لتقوم بأعمال الصناعة والاختراع، بينما خُلقت “الأمة” – بحسب بعض الشيوخ – للهداية ونقل الرسالة. وتنتشر مثل هذه الخطب اليوم على نطاق واسع عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وغالبًا ما تُترجم إلى اللغات الأوروبية، بما يجعل تأثيرها على الرأي العام الأوروبي مباشرًا وواضحًا.
إن خطاب التفوق الديني هذا ليس مجرد أثر تراثي عابر، بل يعمل كآلية نفسية لتعويض الشعور الجماعي بالعجز الحضاري. فالمسلم الذي يعيش في أوروبا يدرك، بوعي أو من دون وعي، حجم الفجوة الحضارية بين العالمين: الغرب الديمقراطي المزدهر، والعالم الإسلامي الذي يعيش أزمات هيكلية. لكن الخطاب الديني التقليدي يمنحه “تفوقًا رمزيًا” يخفف هذا الشعور بالعجز، فيتحول الإحساس بالنقص إلى إحساس بالتعالي. ومن هنا تظهر أزمة مزدوجة: مسلم يستفيد من القيم الأوروبية لكنه غير قادر على الاعتراف بفضلها عليه، لأنها مجتمعات “كافرة” في وعيه العميق؛ وأوروبي يرى في هذا الخطاب نوعًا من الاحتقار المتبادل، ما يفتح الباب واسعًا أمام الشك والخوف.
ويتقاطع خطاب التفوق مع خطاب آخر أشد حساسية، وهو خطاب الفتح والسيطرة. فهناك اتجاهات دينية – سُنّية وشيعية على السواء – تستدعي مفاهيم “دار الإسلام” و“دار الكفر” و“الغلبة” و“الفتح” في سياقات حديثة لا علاقة لها بزمن الإمبراطوريات. ويتحدث بعض الوعّاظ، من داخل أوروبا نفسها، عن أن هذه القارة “ستنفتح يومًا ما”، وأن المسلم “سيحكمها بالعدل”، وعن أن الأرض التي يطؤها المسلم تصبح “أرض الإسلام”. بل تتجاوز بعض الخطب حدود المبالغة لتتحدث عن النساء الأوروبيات بوصفهن “غنائم” مستقبلية أو “جواري” في تصور فانتازي لا يعكس واقعًا سياسيًا بل يعكس بنية عقلية لم تخضع لعملية تحديث أو نقد.
حين يسمع الأوروبي هذه الخطب مترجمة إلى لغته، لا يراها نقاشًا دينيًا نظريًا، بل يقرأها بوصفها تهديدًا مباشرًا: ضيف يعيش على أراضيه يتحدث عن احتلالها، وجالية تطالب بالحقوق وتتحدث في الوقت نفسه عن تغيير هوية البلد الذي يعيشون فيه. ومن هنا ترتفع مخاوف المجتمع، ويتحول أي اختلاف ثقافي بسيط – كالحجاب أو الصلاة في الشارع – إلى مؤشر على “مشروع أسلمة أوروبا”. في هذا المناخ، يصبح اليمين المتطرف هو المستفيد الأكبر، لأنه يجد أمامه مادة جاهزة لتسويق خطاب: “قلنا لكم… الإسلام خطر حضاري.”
وتتعمق أزمة المسلم في أوروبا عندما ننظر إلى جذور وجوده هناك. فالغالبية الساحقة من المسلمين لم يصلوا إلى أوروبا إلا بعد انهيار مؤسسات دولهم، أو بسبب طغيان الأنظمة، أو بسبب الحروب الطائفية، أو كردة فعل على اقتصاد عاجز عن منحهم حياة كريمة. أوروبا لم تستقبلهم فقط، بل وفرت لهم ما فقدوه في أوطانهم: الأمن، القانون، العدالة، فرص العمل، والحرية الفردية. لكن التناقض يظهر حين يعيش المسلم بين واقع يحميه ويحترمه، وخطاب ديني يعلمه بأن الآخر “أقل منه” روحيًا وأخلاقيًا. عدم القدرة على الاعتراف بفضل المجتمعات الأوروبية ليس مسألة أخلاقية فحسب، بل هو عجز هوياتي، لأن الاعتراف يعني تصحيح صورة “الكافر” المتخيلة في الوعي الديني التقليدي، ويعني الإقرار بأن النظام العلماني قد يكون أكثر عدلًا من الأنظمة الإسلامية التي ينتمي إليها المسلم.
وتبلغ هذه الأزمة ذروتها حين تتقاطع مع العمليات الإرهابية التي تضرب الدول الأوروبية بين حين وآخر. فالإرهاب هو الشكل العنيف النهائي لخطاب التفوق والفتح والكراهية تجاه الآخر. الإرهابي يرى أوروبا دار حرب، ويرى غير المسلم هدفًا مشروعًا، ويحوّل الخطاب الوعظي إلى فعل دموي في الشارع. لكن المفارقة هي أن المسلم المعتدل هو أول من يدفع الثمن بعد وقوع أي هجوم: تتصاعد موجة الكراهية، وتنشأ حالة من الشك الجماعي، وتشتد إجراءات المراقبة، وتُغلق بعض المساجد، وتُستهدف الجمعيات الإسلامية، ويتحول ملايين المسلمين الذين يعيشون بسلام إلى مشتبه بهم لمجرد انتمائهم الديني.
هذا الوضع ينتج دائرة مغلقة من التوتر: خطاب ديني تقليدي ينتج خوفًا أوروبيًا؛ وخوف أوروبي ينتج تشددًا سياسيًا؛ وتشدد سياسي يدفع بعض الشباب المسلمين إلى التطرف؛ والتطرف يعيد إنتاج الأزمة من جديد. ولا يمكن الخروج من هذه الدائرة إلا عبر مقاربة أعمق تعترف بأن المشكلة ليست في الإسلام كدين، ولا في أوروبا كمجتمع، بل في التمثلات الذهنية التي لم يتم تحديثها وفي الخطابات التي لم تخضع لنقد حقيقي، وفي غياب جسر معرفي يتيح للمسلم أن يرى الأوروبي كشريك في المواطنة لا كخصم عقدي.
إن إعادة بناء علاقة سليمة بين المسلمين والغرب تتطلب إعادة التفكير في مفاهيم التفوق الديني، وتفكيك خطاب الفتح والهيمنة، والقطع مع الأدبيات التي تصنف العالم إلى “نحن” و“هم” على أسس لاهوتية. كما تتطلب شجاعة من الجاليات المسلمة في نقد ذاتها وخطاباتها، وجرأة من المجتمعات الأوروبية في تجاوز الأحكام الجاهزة التي تصنعها كل عملية إرهابية. فالعلاقة بين الطرفين لن تُبنى بالخوف، ولا بالتعالي، ولا بالتبشير السلطوي، بل بالاعتراف المتبادل، واحترام القانون، وتطوير مفهوم المواطنة المشتركة.
بهذه المقاربة وحدها يمكن تخفيف التوتر، وتجاوز منطق الشك المتبادل، وفتح الطريق أمام جيل جديد من المسلمين يتصالح مع ذاته ومع المجتمع الذي يعيش فيه، ويشارك في بنائه باعتباره وطنًا لا ساحة صراع، وفضاء مواطنة لا غنيمة حضارية.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الجيش السوداني يوسع سيطرته والدعم السريع يلجأ للمسيرات


.. حياة ذكية | هل أنت مخترق ولا تعلم؟




.. صواريخ باليستية حوثية تضرب ميناء المخا وتلحق أضرارا ودمارا


.. روسيا وأوكرانيا تتبادلان الضربات اللوجستية المكثفة في العمق




.. الاستقلال عن واشنطن.. حلم إسرائيلي أم وهم يعاكس الواقع العسك