الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


بطلة خارقة ببدلة رخيصة: ثمن التحرر من دور المنقذة

إكرام فكري

2025 / 11 / 23
كتابات ساخرة


هناك دائمًا تلك اللحظة الساخرة والمؤلمة، حين تدركين أن كل البطولات الوهمية التي نصبتِ نفسك فيها منقذة كانت موجّهة لأشخاص لم يرغبوا أصلًا في إنقاذ أنفسهم. لحظة يقظة مضحكة، لكنها تترك مرارة في الحلق؛ حين تدركين أن كل حروبك خيضت في الاتجاه الخطأ، وأن جيشك لم يتكوّن إلا منك وحدك … رسمتِ لنفسك صورة بطلة خارقة، لكن ببدلة رخيصة، مهمتها جمع النقود من أي مصدر متاح لتقديمها لشخص لا يتقن إلا فن الادخار: ادخار المال، وادخار المزيد من الخوف والكبت في أعماق قلبك.

مع مرور السنوات، اكتسبتِ خبرة احترافية في إرضاء الجميع ما عدا نفسك. كنتِ تحاولين كل يوم أن تجعل الآخرين سعداء: تبتسمين رغم التعب، تساعدين، توافقين على طلباتهم. وبعد وقت، تدركين أنكِ فارغة، مشاعرك مختبئة، وحياتك الشخصية مهملة. رغم محاطتك بالناس، تشعرين بالوحدة والفراغ، لأن كل طاقتك صُرفت للآخرين ولم تمنحي نفسك فرصة لملء كوبك الداخلي.

تخيلي كوبًا: كل مرة تصبين فيه ماءً من وقتك، طاقتك، مشاعرك. في النهاية، يصبح كوبك فارغًا تمامًا. حتى وسط الناس، تشعرين بالعطش الداخلي، بالوحدة، بالفراغ، لأنك لم تملئي كوبك لنفسك أبدًا. كنت تقدّمين قلبك وروحك بسخاء مبالغ فيه، ليس لأنك غنية بالاحتواء، بل لأنك كنت تبحثين عن اعتراف واحد يقول: “وجودك ليس خطأ”. يا للسخرية، أن تعطي كل شيء لتحصلي على أقل القليل، أقل بكثير مما تستحقين.

إنه نوع من الكذب اللطيف الذي يظن الإنسان أنه لا يضر أحدًا، لكنه يستنزفك أنت.

ثم تأتي اللحظة الأكثر سخرية ووقاحة: اللحظة التي تقررين فيها أخيرًا وضع حدودك الخاصة. أن تقولي “لا”، وكأنك ترتكبين خطيئة أخلاقية لا تُغتفر. الخوف من زعل الآخرين يسيطر عليك، رغم أن الآخرين لم يخشوا يومًا كسرك أو إيذائك. ترتجفين وأنت تمنعين أحدهم لأنك اعتدت على هذا العبور سنوات حتى أصبح “طبيعيًا”.

داخلك غرفة فارغة، كبيرة جدًا، لم تسمحي لنفسك بالدخول إليها أبدًا. طوال حياتك، كنت تحاولين ملء الغرفة بالأشخاص أو الأشياء أو القبول الخارجي لتشعري بالأمان، أي شيء، حتى لو لم يكن مناسبًا، فقط لتشغلي الفراغ. الآن، عندما تتوقفين عن الهروب وتجلسين وحدك في هذه الغرفة، تكتشفين شيئًا غريبًا: الغرفة آمنة، وهي ملكك بالكامل. يمكنك تنظيمها كما تشائين، إضافة ما تريدين، أو تركها فارغة. هذا الفراغ هو المكان الوحيد الذي يمكنك أن تتنفسي فيه بصدق، بعيدًا عن توقعات الآخرين، بعيدًا عن الحاجة لإرضاء أي شخص.

لكن لا بأس. أنت الآن في مرحلة إعادة بناء نفسك، مرحلة إعلان نهاية العرض. تضحكين من سخافة الماضي، وتذرفين الدموع في ذات اللحظة لأن الجرح مازال غضًا ودافئًا. مرحلة تفهمين فيها أن الفراغ الذي كنت تهربين منه طويلاً هو المكان الوحيد والآمن الذي يمكن أن يولد فيه السلام الداخلي الحقيقي.

قد لا تملكين سيارة فارهة، ولا أرضًا، ولا مدخرات ضخمة، لكنك تملكين شيئًا أثمن بكثير: الحقيقة. وحقيقتك، مهما كانت حزينة، أفضل من كل الأدوار المفروضة التي ارتديتها. تذكري: الحزن لا يقتلك، الإرضاء هو الذي يفعل. والوحدة لا تدمر، الأشخاص الخطأ هم من يفعلون.

في النهاية، لم تعد أمنيتك البحث عن “نهاية سعيدة”، بل عن “بداية نظيفة”. عن قلب يستطيع أخيرًا أن يتنفس دون أن يُثقله الشعور بالذنب. عن مستقبل لا يطلب منك أن تكوني منقذة للجميع، بل فقط أن تكوني حرة.

وهذا، رغم كل شيء… يكفي تمامًا.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. قصة ديكور غرفة العزل في فيلم -الفيل الأزرق- من محمد عطية مهن


.. مريم الأولي علي المدارس الفنية المتقدمة الصناعية نظام الخمس




.. اون سيت- فنانين مصر لو هيلعبوا كرة قدم هتبقى مراكزهم ايه????


.. اون سيت- الفنان محمد العمروسي فخور بمصر واللي قدمته في كل ال




.. اون سيت- فقرة ال?ار الفني مع الفنان محمد العمروسي????