الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


حتى لا تفقد صاحبة الجلالة ما تبقّى من هَيبتها داخل المجتمع المغربي

محمد الزيري
صحفي مهني، باحث اكاديمي حاصل على شهادة الدكتوراه

(Ezziri Mohammed)

2025 / 11 / 26
الصحافة والاعلام


لم تعد أزمة الصحافة المغربية مجرد نقاشٍ مهنيّ حول بطائق، أو دفاتر تحملات، أو مساطر تنظيمية… بل أصبحت سؤالاً وجودياً حول مستقبل المهنة برمتها، وحول ما إذا كانت “صاحبة الجلالة” لا تزال تحتفظ بما يكفي من الهيبة والثقة لتواصل أداء دورها في مجتمع يزداد تشكيكا، وتزداد فيه الفجوة بين الصحفي والجمهور، وبين المؤسسات الإعلامية والواقع.
وما حدث مؤخرا داخل المجلس الوطني للصحافة، ومعه الفضائح التي انفجرت تباعا بعد انتشار فيديو الغير ألاخلاقي لم يكن سوى القشة التي كشفت ظهر منظومة تعاني أصلاً من هشاشة الهيكلة، وغياب الصرامة، وانعدام القدوة. لقد تمكن الفيديو من أن يفعل ما لم تستطع عشرات التقارير أن تفعله: أن يعري المؤسسات، ويكشف أن الجهة المفترض أن تحمي أخلاقيات المهنة، هي نفسها مهددة في أخلاقياتها.
الأزمة اليوم ليست في مضمون الفيديو وحده، بل في صدمة ردّ الفعل: ارتباك، بيانات مقتضبة، اجتماعات متأخّرة، ومحاولة الهروب إلى الأمام. كلّها مؤشرات على أن المؤسسة الوصية على أخلاقيات الصحافة لم تكن مستعدة لامتحان الشفافية. الأسوأ من ذلك أن لجنة الأخلاقيات، التي يُفترض أن تمثّل “ضمير المهنة”، وجدت نفسها موضوع مساءلة، بدل أن تكون فاعلاً في المساءلة.
كيف يمكن لهيئةٍ مسؤولة عن فرض المعايير أن تحافظ على احترامها، وهي غير قادرة على ضمان النموذج؟
هذا السؤال وحده كاف لشرح التراجع التدريجي في ثقة المجتمع المغربي بالإعلام والصحافة. المواطن الذي كان ينظر إلى الصحفي باعتباره صوتا للحقيقة، صار اليوم يرى في المؤسسات الإعلامية مزيجا من التناقضات: مهنية منقوصة، أخلاقيات منتهكة، حسابات سياسية، وتسابق على الريع أكثر من تسابق على الجودة.
المجلس الوطني للصحافة، منذ تأسيسه، أظهر محدودية واضحة في معالجة أعطاب القطاع. أوراش لم تُفتح، ملفات بقيت معلّقة، خروقات لم تُناقش، وبعض القرارات طُبّقت بانتقائية واضحة جعلت المهنيين أنفسهم يفقدون الثقة في الجهة التي يفترض أن تمثلهم. وعندما ظهرت الفضيحة الأخيرة، لم تنفجر صورة المجلس فقط… بل انفجرت صورة المهنة كلها.
إنّ الخطر اليوم ليس في “سقطة فردية”، ولكن في ما تكشفه من واقعٍ أشمل: غياب التكوين المستمر الحقيقي، ضعف آليات الضبط الذاتي، انعدام الشفافية في معالجة الشكايات، غموض المعايير، علاقة مرتبكة بين الصحفي والمؤسسات الرسمية، وتوسّع الهوّة بين الدور المفترض للإعلام وبين ما يعيشه الواقع. وحتى لا تفقد صاحبة الجلالة ما تبقّى من هيبتها داخل المجتمع المغربي، لا بد من إعادة بناء حقيقية لا مساحيق تجميلية.
أولاً: يجب أن نضع حداً للنفاق المهني. لا يمكن أن تُدرّس الأخلاقيات في الدورات التكوينية، بينما تُدهس في الممارسة. ولا يمكن أن يطالب المجلس الصحفيين بالانضباط، بينما يفشل هو في الانضباط لمعاييره الخاصة.
ثانياً: نحتاج إلى إعادة تعريف الأدوار. هل المجلس هيئة تمثيلية؟ أم تنظيمية؟ أم تأديبية؟ اليوم تبدو الحدود ضبابية لدرجة تُفقد الهيئة فعاليتها، وتشوش على طبيعة رسالتها أمام الرأي العام.
ثالثاً: يجب القطع مع الريع والولاءات. جزء كبير من أزمة الثقة نابع من اعتقادٍ عام بأن بعض المؤسسات الإعلامية تحظى بمعاملة خاصة، سواء في الدعم، أو في القرارات، أو في فتح الملفات وغلقها.
رابعاً: لا يمكن الحديث عن إصلاح الصحافة دون إصلاح علاقة الدولة بالإعلام. الدعم ينبغي أن يكون مبنياً على الجودة، لا على القرب. والضبط يجب أن يكون مستقلاً، لا موجهاً. والمعلومة يجب أن تكون متاحة، لا محجوبة.
خامساً: يجب إشراك الصحفيين الحقيقيين، العاملين في الميدان، في إصلاح المنظومة. فلا يمكن لمؤسسات فوقية، منفصلة عن نبض القاعات والأحياء والميدان، أن تقدّم حلولاً واقعية.
فإذا لم تُفتح هذه الأوراش بجرأة ومسؤولية، وإذا لم يُعَد الاعتبار فعلاً للممارسة الإعلامية، فإن صاحبة الجلالة ستواصل نزيفها، وسيفقد المجتمع ثقته في الصحفيين، وستتحول الصحافة من سلطة رابعة… إلى سلطة بلا وزن، تُسمع ولكن لا تُصدَّق، تكتب لكن لا تُؤثّر، وتحضر ولكن لا تُحترم.
وحتى لا نصل إلى تلك اللحظة السوداء، يجب أن نقولها بصراحة: فضيحة الفيديو ليست النهاية… بل مؤشر على انهيار صامت كان يحدث منذ سنوات. والإصلاح الحقيقي يبدأ عندما نعترف أن “الهيبة” تُبنى بالفعل، لا بالشعارات… وبالقدوة، لا بالمجالس.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الجيش السوداني يعلن إسقاط -مسيرة استراتيجية معادية- فوق محاف


.. هجوم مباغت غرب تعز.. انهيار تحصينات الحوثيين تحت القصف الجوي




.. غارات إسرائيلية على مرتفعات علي الطاهر وبلدات عدة جنوبي لبنا


.. نافذة تحليلية | دمشق وأنقرة تدينان العدوان الإسرائيلي وتطالب




.. خارج الصندوق | إيران هربت من مواجهة إسرائيل بالاعتداء على ال