الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
عن الطوفان وأشياء أخرى (48)
محمود الصباغ
كاتب ومترجم
(Mahmoud Al Sabbagh)
2025 / 11 / 27
القضية الفلسطينية
-شكيم ابن حمّور ودينة ابنة يعقوب
ورد في الإصحاح 34 سفر التكوين: "1 وَخَرَجَتْ دِينَةُ ابْنَةُ لَيْئَةَ الَّتِي وَلَدَتْهَا لِيَعْقُوبَ لِتَنْظُرَ بَنَاتِ الأَرْضِ، 2 فَرَآهَا شَكِيمُ ابْنُ حَمُورَ الْحِوِّيِّ رَئِيسِ الأَرْضِ، وَأَخَذَهَا وَاضْطَجَعَ مَعَهَا وَأَذَلَّهَا. 3 وَتَعَلَّقَتْ نَفْسُهُ بِدِينَةَ ابْنَةِ يَعْقُوبَ، وَأَحَبَّ الْفَتَاةَ وَلاَطَفَ الْفَتاةَ. 4 فَكَلَّمَ شَكِيمُ حَمُورَ أَبِاهُ قَائِلًا: «خُذْ لِي هذِهِ الصَّبِيَّةَ زَوْجَةً». 5 وَسَمِعَ يَعْقُوبُ أَنَّهُ نَجَّسَ دِينَةَ ابْنَتَهُ" إلى آخر الإصحاح.
حين ألغت دولة الأمارات مشروع قرار في مجبس الأمن يدين الاستيطان، بعد تفاهمات أمريكية فلسطينية إسرائيلية (19 شباط 2023) ، وبعد أن اطمأنت إسرائيل أن الموضوع انتهى، خرج تصريح من مكتب نتنياهو "يدين" فكرة المشروع، إذ كيف يمكن للأمم المتحدة أن تدين قرار دولة ما تنوي إقامة مشاريع سكنية في بلدها؟ يعني معقول نقول للفرنسيين مثلاً ممنوع أن تبنوا بيوت في ضواحي مرسيليا.. طبعاً على افتراض أن إسرائيل دولة "طبيعية" مثل بقية دول خلق الله. أو هي كما يصفها مستر مايك بومبيو (17.02.2023) *، وعلاوة على إمكانية الدحض الجدلي لمزاعم مستر بومبيو، فكلامه يحمل من الركاكة ما يعوض حتى النظر إليه. وهكذا سوف يكون لمثل هذا السرد الإيديولوجي عنوان واحد يرى الإسرائيلي ضحية والفلسطيني معتدي ما يمنح إسرائيل الحق في عمل ما تريد بحجة "الدفاع عن نفسها". متناسين -عمداً- إن العنف الجوهري للمشروع الاستعماري الصهيوني مزق مساحة فلسطين وفضائها بطريقة تبدو غير مستردة. كانت الحجة الإسرائيلية التي تسوقها للغرب أن هذه "العمليات الأمنية" تستهدف "إرهابيين".. وهكذا سوف يقبل الغرب بهذا التبرير مع الطلب الخجول بـ "عدم المساس" بالمدنيين، من ناحية أخرى سوف يصبح هذا السلوك الإسرائيلي، تعميمياً ضد أي فلسطيني، طالما هو يرفض الاحتلال وسياساته.
ونحن نتحدث عن فلسطين لا ينبغي أن يغيب عن بالنا الطبيعة العنصرية لإسرائيل، ونذكر في هذا الصدد وصف وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت الفلسطينيين في اليوم الثالث من الحرب بأنهم "حيوانات بشرية". وبالنظر إلى إسرائيل بصفتها آخر مستعمَرة استيطانية في آسيا أو إفريقيا تحكمها قوانين ومؤسسات العنصرية، يرى الغرب في بقائها معقلاً أخيراً له لدعم العنصرية والاستعمار الاستيطاني خارج حدوده ضد الجحافل الهمجية غير الأوروبية المقاومة للسيطرة الاستعمارية التي تملك تصميماً قوياً للتخلص من هذه السيطرة . وفي حين يظهر التدخل العسكري الغربي المباشر المحتمل والمشاركة في الحرب لدعم إسرائيل ليس أكثر من خطاب وبروباغاندة واضحة ، تبدو المشاعر العنصرية التي تقف وراء هذا الدعم حقيقية تماماً.
يسعى هذا التحالف الغربي المحموم، بكل ما أوتي من قوة ومهما كانت التكلفة، إلى منع الفلسطينيين من نيل حريتهم. ولكن إذا كانت الأيام القليلة الماضية قد تمخضت عن شيء يذكر فلا بد أنه لا يمكن وقف السعي الفلسطيني من أجل الحرية ومقاومته للقمع الاستعماري. ومن ثم، تتطلب الاستراتيجية الإسرائيلية لعملية "الحرب على الإرهاب" وإدارة الصراع، القيام بحرب شاملة ليس عسكرية فحسب، بل لا بد من تضمينها مستويات أخرى متنوعة؛ مثل عناصر قانونية: تشريعات في الكنيست؛ وعناصر عسكرية: عمليات اغتيال مباشرة وإعدامات ميدانية وتطبيق منهجي لمنطق المسؤولية الجماعية والعقاب، وتدمير البيوت وقتل عائلات بأكملها دون تمييز بين مدني ومقاتل؟ وعناصر اقتصادية: فرض حصار وإغلاق معابر ومنع دخول البضائع. بالإضافة إلى عناصر دبلوماسية مثل: منع اتخاذ أي قرار ضد إسرائيل ومنع محاكمة القادة السياسيين أو العسكريين؛ وعناصر إعلامية تعمل على إفشال توليد أي حالة غضب بين الأوساط الشعبية الأمريكية والعربية والدول الحليفة لإسرائيل عن طريق الرقابة الإسرائيلية الصارمة على وسائل نقل الأخبار والمعلومات والحد من انتشار السردية البصرية عن الدمار الفلسطيني وتحييد، قدر الإمكان، الآثار المحتملة التي قد تعمل على ظهور موقف متضامن مع المعاناة الفلسطينية.. وغيره من العناصر التي ينبغي ممارستها وتنفيذها بحذر ودقة شديدين؛ دون كلل ولفترات قد تكون طويلة.
ولعل هذا يعيدنا إلى حملة "السور الواقي" في الضفة الغربية في العام 2002، والتي يعتبرها الخبراء العسكريون الإسرائيليون بأنها "أبرز مثالاً على حرب ناجحة ضد الإرهاب"، حيث سمحت تلك الحملة لقوات جيش الاحتلال بحرية العمل في أنحاء الضفة كافة "بما في ذلك مناطق "أ" و "ب".
ويمكن تعميم هذه الحالة إسرائيلياً، كما يزعم إيهود باراك، بالقول أن العرب (اقرأها الفلسطينيين) محكوم عليهم بالهمجية بينما تمثل إسرائيل -ومن خلال تقويمها الذاتي الباذخ- "طليعة الحضارة ضد الهمجية.. فهي بمثابة قصر وسط غابة". و "جدار حماية" للغرب. وهذا يتطلب منها أن تكون دولة "استثناء" حتى في اعتبار ممارسة الإذلال النفسي للفلسطينيين كجزء من الوجود اليومي لهم، فهم، أي الفلسطينيون، يقعون، بالنسبة لإسرائيل، في بؤرة غير مرغوب فيها أو في وجودها ويتم إظهارهم على أنهم دون مستوى البشر, وحوش, إرهابيين, وشياطين وكفار.
لا شك أن هذا الشعب لن يستسلم، وسيبقى يقاوم، ويجترح الحلول التي تناسبه دون إملاءات ولا وصاية، ولا شك أيضاً أنهم سوف يستثمرون، هناك، تجاربهم السابقة المتراكمة من العمل المقاوم الفردي والجماعي، مع الإشارة إلى أن الإصرار على التمسك بـ "جماهيرية" العمل المقاوم وحده للتأكيد على عفويته سوف يلحق به أفدح الخسائر ما لم ينتظم في عمل واع "بمعنى غير عفوي عند لحظة معينة" يتبنى استراتيجيات سياسية تستفيد من نتائج العمل المقاوم.
وإذن يمثل العمل المقاوم حالة اشتباك يومية مع تجمع المستعمرين في فلسطين، باعتباره مقاومة جماعية، وتنطوي المقاومة، فلسطينياً، على فعل مسلح بحكم الواقع والمواجهة، فمن لا يعرف هذه الإسرائيل، لا يمكنه أن يعرف معنى أن تبقى متخفياً أو مطارداً تنتظر طلقة جبانة تصيبك، أو عميل فاسد لكشف مكانك
لا يحتاج الأمر لأن تعرف عدوك، أن تكون فيلسوفاً ولا خبيراً في السياسة، ولا ثقافة عالية، فالثقافة مثل المقاومة هي فكر وجهد وعمل وهي قبل كل شيء التزام بعيد عن الغرور والإحباط والكسل والسقوط في " شعبوية" ضحلة لا تفرق فعلاً بين الفريكة والثقافة.
الصورة: شعار وحدة "دوفدوفان" الإسرائيلية للعمليات الخاصة العاملة في الضفة الغربية
.......
* يصف مارك بومبيو إسرائيل بأنها "ليست دولة احتلال" وهو بصفته، مسيحي إنجيلي، مقتنع وبعد اطلاعه على نصوص العهد القديم أنه " بعد 3000 سنة من الآن، وعلى الرغم من إنكار الكثيرين، فإن هذه الأرض [يقصد فلسطين الانتدابية المطابقة، بمحض الصدفة، لأرض الميعاد الكتابية] هي الوطن الشرعي للشعب اليهودي".
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. المغرب: -نوستالجيا-.. حنين إلى حقبة من تاريخ الأمازيغ
.. ترامب يضغط على سوريا.. هل يقترب الهجوم على حزب الله؟ | #الظه
.. ساعة الصفر؟ أميركا تصعد عسكريا وإيران تعلن الحرب الوجودية |
.. فانس يتهم إسرائيل بمحاولة إفشال التفاوض مع إيران
.. أستاذ تسوية الصراعات الدولية محمد الشرقاوي: الاستنزاف المتبا