الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الذكاء الاصطناعي والطاقة في العراق: علاقة مصيرية للجيل القادم

عامر عبد رسن

2025 / 11 / 28
الادارة و الاقتصاد


تُظهر التجارب الدولية – وفي مقدمتها التجربة السعودية كما طُرحت في قمة باريس – أن الذكاء الاصطناعي لم يعد ترفاً تقنياً، بل أصبح عنصراً بنيوياً في صناعة الطاقة. ومن موقع النظر إلى مستقبل العراق النفطي، يمكن القول بثقة إن العلاقة بين الذكاء الاصطناعي والطاقة تمثل اليوم الفرصة الأكبر لتجديد دور النفط في الاقتصاد الوطني بدل الاكتفاء بوضعه التقليدي كمصدر إيراد ريعي.
1. مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي… طاقة أولاً : تشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي العملاقة يحتاج إلى بنية طاقوية ضخمة. فمراكز البيانات في العالم استهلكت عام واحد فقط ما يعادل نحو 415 تيرا واط/ساعة من الكهرباء، رقم يساوي تقريباً الاستهلاك السنوي لدولة كبرى مثل فرنسا، ومن المتوقع أن يتضاعف بحلول 2030.
وهذا يعني شيئاً واحداً للعراق: لا اقتصاد رقمي ولا ذكاء اصطناعي من دون قطاع طاقة مستقر ورخيص وواسع القدرة.
بل يمكن القول إن العراق يتمتع بميزة طبيعية في هذا المجال—هيمنة النفط والغاز، القدرة على توليد طاقة رخيصة، وموقع جغرافي يسمح بإنشاء عنقود إقليمي لمراكز البيانات يخدم الشرق الأوسط وأوروبا وآسيا معاً.
2. الذكاء الاصطناعي يعيد تعريف الصناعة النفطية في العراق : في المقابل، فإن الذكاء الاصطناعي نفسه يمكن أن يغيّر طبيعة الصناعة النفطية العراقية، ويحولها من بنية تقليدية تعتمد على الخبرة البشرية وحدها، إلى بنية رقمية–تنبؤية قادرة على:
• تحسين كفاءة الإنتاج واستخلاص النفط بنسبة تصل إلى 10–15%.
• تقليل الهدر في الغاز المصاحب، عبر نماذج تنبؤية لضبط الضغط والاحتراق.
• إدارة منظومة التوزيع والتصدير بذكاء يحدّ من الخسائر ويكشف التلاعب والتهريب.
• تعزيز السلامة المهنية عبر أنظمة مراقبة رقمية للحوادث قبل وقوعها.
• تحسين جدولة الصيانة، وتقليل الانقطاعات في الحقول والمصافي.
هذا هو الاتجاه الذي جعل شركات عالمية كبرى تطوّر نموذجاً لغوياً كبيراً خاصاً بالطاقة، وتربط بياناتها التاريخية – الممتدة لعقود – بتحليلات تنبؤية تعيد ضبط القرارات التشغيلية.
3. ماذا يعني هذا للعراق؟ : العراق يملك ثروة هائلة من البيانات النفطية تمتد لثمانين عاماً، لكنه للأسف لا يزال يستخدم مقدار كبير منها بمنطق الأرشفة الورقية، بدل تحويلها إلى رأس مال بياناتي يولّد قيمة اقتصادية.
إذا استطاعت شركات النفط العراقية – بالتعاون مع وزارة النفط وشركات الخدمة – بناء منصة ذكاء اصطناعي وطنية لقطاع الطاقة، فيمكن أن تتحقق:
a) زيادة في الكفاءة الإنتاجية بمليارات الدولارات سنوياً.
b) تقليل الفاقد في المصافي وشبكات النقل.
c) تحسين إدارة الاحتياطي ومعامل الاستخلاص المتقدم.
d) تسريع عمليات التطوير في الحقول الغربية والجنوبية.
e) رفع موثوقية المنظومة الكهربائية لتصبح قادرة على تشغيل الجيل الجديد من الصناعات الرقمية.
4. العراق بحاجة إلى ما يشبه “أرامكو فينتشرز” بصيغته الخاصة ؛ التجربة السعودية في إنشاء مكتب استثماري متخصص في الابتكار (أرامكو فينتشرز) تمثل درساً مباشراً للعراق: لا يمكن بناء اقتصاد ذكاء اصطناعي بدون ذراع استثماري يلتقط التكنولوجيا في وقتها، ويطوّعها لقطاع الطاقة الوطني. وعليه، فإن العراق بحاجة إلى:
a) إنشاء ذراع استثماري تقني لوزارة النفط، أو عبر شركة نفط العراق للتطوير التكنولوجي
b) شراكات استراتيجية مع شركات الحوسبة الكمية والذكاء الاصطناعي.
c) بناء أول مركز بيانات وطني للطاقة، وربطه بمختبر نماذج لغوية كبيرة عراقية–نفطية (Energy LLM).
d) تحويل خبرات الشركات العالمية العاملة في العراق إلى نقل معرفة ملزم وليس مجرد تشغيل.
5. القيمة الاقتصادية المباشرة : شركة أرامكو سجلت في عام واحد فقط قيمة 4 مليارات دولار من التحول الرقمي، نصفها من الذكاء الاصطناعي. وبحساب بسيط: لو حقق العراق 10% من هذا الرقم سنوياً في شركاته الوطنية، فسيحصل على 400 مليون دولار قيمة مضافة سنوياً بدون زيادة إنتاج، وبدون استثمارات ضخمة.
هذا رقم يمكن تحقيقه بسهولة إذا تم اعتماد الذكاء الاصطناعي كـ:
a) محور لتطوير الصناعة
b) أداة لخفض الكلفة
c) وسلاح لتعزيز الشفافية ومحاربة الفساد
d) ومنصة لبناء صناعات جديدة مثل الهيدروجين الأخضر والكبريت والبتروكيماويات
الخلاصة: رسالة سياسية وطنية ؛ العلاقة بين الطاقة والذكاء الاصطناعي ليست علاقة تقنية، بل علاقة استراتيجية–سيادية ستحدد مستقبل الدول خلال العقدين القادمين. والعراق إن أراد حماية نفطه، وتطوير قدراته وزيادة وارداته يجب أن يحوّل جزءاً من هذه الثروة إلى:
a) بنية تحتية رقمية للطاقة
b) مراكز بيانات وطنية
c) نماذج ذكاء اصطناعي صناعية
d) شراكات عالمية رفيعة المستوى
e) كوادر عراقية شابة جديدة تشكّل جيل الطاقة–الرقمية القادم
العراق يمتلك اليوم النفط والغاز والشمس والمياه والموهبة البشرية. وما ينقصه فقط هو أن يبادر، كما بادر غيره.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. متسابق بـ«دولة التلاوة»: المنافسة شريفة والمسابقة أيقونة لمح


.. رؤية الأمير الوالد قادت التحول الاقتصادي ورسخت مكانة قطر الع




.. قراءة اقتصادية | التوتر الأمريكي الإيراني ينعكس على أمن المل


.. الصين تزيد مشترياتها من الذهب.. فهل تنجح في بناء نظام مالي أ




.. الخامسة | ترمب يعيد حصار إيران.. واسترداد كميات ضخمة من الذه