الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


بين خطاب التهدئة وواقع الإقصاء… قراءة في رسالة الشرع إلى أبناء الساحل السوري

حجي قادو
كاتب وباحث

(Haji Qado)

2025 / 11 / 28
مواضيع وابحاث سياسية


يبدو من الخطاب الذي وجّهه الشرع إلى أبناء الساحل أنّه يسعى لإظهار تفهّمٍ لما يشهده الساحل السوري من احتجاجات ومطالبات محقّة تخصّ المكوّن العلوي، وللأسباب التي دفعت الناس للنزول إلى الشارع. وقد حاول الشرع الإيحاء بأنّ الساحل يحظى بأولوية لدى منظومته السياسية، لكنّ هذه الأولوية لم تُقدَّم بوصفها استجابة لمظالم الناس وحقوقهم، بل بدت مرتبطة بما يمثّله الساحل من منفذٍ بحري ومحورٍ تجاري عالمي، بما يعني عمليًا أن الميناء أهم من الإنسان، وأن الجغرافيا التجارية أولى من المعاناة الاجتماعية.

هذا التناقض بين خطاب «طمأنة الناس» والواقع الأمني الصارخ على الأرض يطرح تساؤلات مشروعة: كيف يمكن الحديث عن الاستقرار وأجهزة الترهيب لا تزال تمارس تجاوزاتها في كل قرية وبلدة ومدينة ذات غالبية علوية؟ وكيف يمكن الادعاء باحترام مطالب الناس بينما يتم اختزال المنطقة كلّها إلى مجرّد ورقة اقتصادية في مشروع سياسي مركزي؟

إن نظرة الشرع إلى الساحل، كما إلى بقية المكوّنات ،تقوم على اعتبار المناطق السورية ثرواتٍ وصفقاتٍ يمكن الاستفادة منها، وليس مجتمعاتٍ بشرية لها حقوق طبيعية في العيش بحرية وكرامة. ومن هنا يظهر التناقض الصارخ في خطابه، وكأنّ كلّ من ليس من العرب السنّة مجرّد تفصيل هامشي في حساباته السياسية.

والمفارقة أنّ مطالب الدروز والكورد والعلويين، ونداءاتهم اليومية من أجل اللامركزية الإدارية، لا تواجه سوى إصرار متواصل من جانب الشرع على مركزية الحكم في دمشق وعلى إدارة البلاد بـ«النار والحديد». فالعقيدة السياسية لم تتغيّر، وإن تغيّرت ربطات العنق وألوان البزّات الرسمية.

ومن جهة أخرى، وبينما يعلن الشرع أمام الإعلام أنّ المظاهرات «محقة»، يعمد في الواقع إلى التقليل من شأنها والاستخفاف بها بوصفها «فقاعات إعلامية». وبين الخطاب المنمّق والممارسة الفعلية على الأرض يتكشف الفارق الكبير بين ما يُقال وما يُطبّق.

أما بالنسبة لقوات سوريا الديمقراطية، فقد جاء تأكيد الشرع على احتفاظ حكومته بالوزارات السيادية الدفاع، والداخلية، والخارجية، والاقتصاد بمثابة رسالة واضحة مفادها رفض أيّ مشاركة حقيقية أو تفكير في نموذج لا مركزي. كما تضمّن هذا الطرح إشارة غير مباشرة إلى ضرورة «انحلال» قسد أو «انصهارها» داخل جيش مركزي فصائلي يخضع لشرط الطاعة المطلقة، وهو ما يتناقض جذريًا مع أي مشروع للحكم التشاركي أو الديمقراطي.

بذلك، يتضح أنّ الشرع لا يزال متمسكًا بمنطق الدولة المركزية الشمولية، ورافضًا لأي صيغة تعترف بتعدّد المكوّنات أو بحقها في التمثيل والمشاركة والقرار. يريد الجميع خاضعين، لا شركاء؛ تابعين، لا متساوين؛ ومنفّذين، لا مؤثّرين.

ويبقى السؤال الأهم:
هل يمكن بناء استقرار حقيقي في سوريا بينما يستمر تجاهل أصوات المكوّنات ورفض الاعتراف بوجودها وبحقها المشروع في إدارة شؤونها؟
أم أننا ما زلنا ضمن الحلقة ذاتها… حيث يتغيّر الخطاب ولا تتغيّر المنظومة؟








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. ترامب يطالب بغرينلاند ويشكك في التزام أوروبا الدفاعي عن أمير


.. ترمب عن مقتل رينيه غود: الهجرة تخطئ أحيانا




.. مراسل الجزيرة: أهالي معتقلي سجن -الأقطان- يحاولون الوصول لأب


.. تعرف على أسباب تسابق القوى الكبرى لبسط نفوذها على جزيرة غرين




.. تحسبا للقادم.. حكومة غرينلاند تحث مواطنيها على الاستعداد لكل