الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
التاريخ المزيف ... حين تستباح الذاكرة
محفوظ بجاوي
2025 / 11 / 28دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
في قلب الجزائر، أرض الحضارات العميقة والجذور الممتدة، ينبض التاريخ كما النهر في وديان الطاسيلي والهاقار، يسرد قصص الأبطال، ويكتب أسماء الملوك والمجاهدين، ويرسم معالم الهوية الوطنية. لكن في السنوات الأخيرة، ظهر ما يُعرف بـ التاريخ الموازي، الذي اخترعته جماعة تُنسب إلى لخضر بن كولة، مستعينة بشخصيات وهمية مثل محمد الوالي (الڨط)، والعقيد شوشان، ونور الدين ختال، واللاأمين بلغيث، ومحي الدين عميمور. ليس مجرد تحريف بسيط، بل هو محاولة متعمدة لإعادة كتابة التاريخ بما يخدم أجندة سياسية وأيديولوجية، متجاهلة الوثائق، متجاهلة الشهود، متجاهلة الحقيقة التي لا تُمحى.
هذا التاريخ المزيف لا يضر الماضي فحسب، بل يهدد وعي الأمة ومستقبلها. إنه يزرع الشك والريبة في عقول المواطنين، ويفقد الناس القدرة على التمييز بين الحقيقة والوهم، بين الواقع والخيال السياسي. ما أراد هؤلاء أن يزرعوه في الذهن الجزائري هو سرد جديد، مفتعل، يزيف البطولات ويصنع أبطالًا وهميين، ليبدو لهم أن التاريخ يُمكن إعادة تأليفه بالأوهام.
لكن الأرض، والأحجار، والآثار، والمصادر الموثوقة، تقول شيئًا آخر. الطاسيلي، حفريات الهقار، اكتشاف المغرب الأوسط وسهول سطيف… كل هذه الشواهد تثبت أن الجزائر ليست أرضًا بلا جذور، بل هي حضارة متصلة بآلاف السنين. من ماسينيسا إلى يورغطة، من ديهيا إلى ابن خلدون، ومن مفدي زكرياء إلى عبد الحميد بن باديس، التاريخ الجزائري هو تاريخ أصيل، مختلط، غني، وشامخ.
إن الخطورة الحقيقية لهذا التاريخ المزيف تكمن في أنه يُقدّم الأوهام على أنها حقائق، ويزرع الفتن بين أبناء الوطن، ويضع النخبة والمثقفين في مواجهة الرأي العام مع أساطير ليس لها أي أساس. ولذلك، تقع على عاتق النخبة العلمية، الثقافية والسياسية مسؤولية مزدوجة: كشف زيف هذه الروايات، إعادة الحقائق إلى مكانها، وتثقيف الأجيال حول أصالة تاريخهم وهويتهم. نشر الدراسات الموثقة، التوعية الإعلامية، دمج التاريخ الحقيقي في المناهج، وتنظيم المحاضرات والندوات… كل هذا ليس ترفًا فكريًا، بل هو واجب وطني مقدس.
التاريخ الحقيقي للجزائر هو هوية وطنية، ذاكرة جماعية، وسلاح ضد كل من يحاول طمس الحقائق. كل محاولة لتزييفه، وكل جهد لإخفاء الحقائق تحت ستار الروايات المزيفة، ليس إلا هجومًا على جوهر الأمة وعلى روح الشعب. والتاريخ، في جوهره، لا يُمحى بالكلمات، ولا يُلغى بالمزاعم. إنه يعيش في الأرض، في النصوص، في الآثار، وفي ضمير كل جزائري يعرف أصله.
إن مواجهة التاريخ المزيف ليست مهمة سهلة، لكنها ضرورية. فالوعي التاريخي هو قلب الأمة النابض، وهو صمام الأمان لهويتها. ومن يتلاعب بالذاكرة، يحارب الحقيقة، ويظهر ضآلة فكره أمام عظمة الحضارات التي صاغت هذا الوطن. الجزائر، بجذورها العميقة وهويتها المركبة، لن تُمحى ولا يُمكن لأي خيال سياسي أن يُعيد كتابتها.
وفي نهاية المطاف، يبقى التاريخ شاهدًا على الزمن، ومرآة للأجيال القادمة، وحارسًا للهوية الوطنية. ومن يسعى لتزييفه، إنما يحارب الجزائر نفسها، ويُثبت أن الحقيقة، مهما حاولوا طمسها، ستظل صامدة كجبال الهقار ووديان الطاسيلي، شاهدة على أمة لا تُمحى.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. التصعيد يتسع: ضربات أمريكية على بندر عباس ورد إيراني يستهدف
.. حرائق الجزائر: خسائر متزايدة وجهود مكثفة لاحتواء النيران
.. حرائق فونتينبلو قرب باريس: البؤر الخفية تبقي المعركة مع الني
.. من بيغاسوس إلى أجهزة التكييف: -المغرب تجسس فعلا على مسؤولين
.. الجزائر: 11 قتيلا بينهم أطفال وإصابة 19 آخرين في حريق بدار أ