الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


التسوية أم الاستسلام؟ القضية الكردية بين المساومات السياسية وغياب الاعتراف

حجي قادو
كاتب وباحث

(Haji Qado)

2025 / 11 / 28
مواضيع وابحاث سياسية


من الصعب وصف ما يجري اليوم في تركيا على أنه «تسوية» للقضية الكردية؛ فالتسوية الحقيقية تفترض الاعتراف بالحقوق، بينما ما يُطرح حاليًا لا يتجاوز محاولة لانتزاع الاستسلام مجانًا دون أي مقابل سياسي أو قانوني. فحتى الآن لا وجود لاعتراف رسمي باللغة الكردية، ولا بالهوية الكردية، ولا بأي شكل من أشكال الحكم الذاتي أو الفيدرالية أو حتى الإدارة المحلية في المناطق ذات الغالبية الكردية.

والحقيقة التي لا يمكن تجاهلها هي أن الشعب الكردي يمتد بجذوره عميقًا في التاريخ قبل وصول الأتراك بآلاف السنين. وكل ما شهده تاريخ تركيا المعاصر من كفاح مسلح بدأه حزب العمال الكردستاني انطلق من خلفية سياسية واضحة، وكان يجب ولا يزال يجب أن يُعالَج سياسيًا. لكن ما يحدث اليوم أقرب إلى مساومة بين شخص معتقل هو عبد الله أوجلان، ورئيس دولة يجيد المناورة السياسية مثل رجب طيب أردوغان، تحت عناوين براقة من قبيل «الاندماج الديمقراطي»، بينما يجري في الواقع تهميش القضية الكردية وتفريغها من مضمونها.

إن الحديث عن «حل» لا يمكن أن يكون ذا معنى في ظل استمرار تجاهل حقيقة أن ثلاثين مليون كردي يعيشون على أرضهم التاريخية دون اعتراف بهويتهم، ودون أي اعتذار رسمي عن المجازر والانتهاكات التي تعرّض لها المدنيون الأكراد منذ تسعينيات القرن الماضي: تهجير قسري، تدمير أكثر من أربعة آلاف قرية كردية، وتصفيات جسدية بحق النشطاء والسياسيين.

ومن الناحية القانونية، فإن المقاومة حق مشروع لأي مكوّن عرقي مقموع ومحروم من حقوقه، وفقًا لميثاق الأمم المتحدة ومبادئ القانون الدولي. وبالتالي لا يمكن اختزال القضية الكردية في معادلة أمنية أو القضاء عليها بقرارات عسكرية أو عبر صفقات فوقية لا تمثل الشعب.

ولا بد هنا من الإشارة إلى أنّ احتمال ظهور انتفاضات أو حركات احتجاجية جديدة داخل تركيا ليس أمرًا مستبعدًا أبدًا، في ظل غياب أي إصلاح سياسي جاد يتعلق بالقضية الكردية. فخلال عملية السلام، اتخذت الحركة الكردية ثلاث خطوات جريئة: إلقاء السلاح، حلّ بنيتها العسكرية في الداخل، وخروج عناصر حزب العمال الكردستاني من كردستان تركيا. لكن في المقابل لم تتخذ الدولة التركية أي خطوة ذات دلالة سياسية أو رمزية لبناء الثقة، ولا حتى خطوة واحدة تُظهر حسن النية.

فلا اعتراف بالهوية، ولا إطلاق سراح للمعتقلين السياسيين، ولا إلغاء للمحاكمات الاستثنائية، ولا ضمان للغة والثقافة والتعليم، ولا حتى قانون عفو يشمل من لم تتلطخ أيديهم بالدماء من عناصر حزب العمال الكردستاني، بينما ما زال المئات من الصحفيين والطلاب ورؤساء البلديات والنشطاء الكرد يقبعون في السجون.

إن الحديث عن «سلام» لا معنى له دون اعتراف بالحقوق. والحوار لا يتحول إلى «عملية سياسية» ما لم يشمل الشعب، لا الأشخاص. والوعود لا تبني الثقة ما لم تتجسد في إصلاحات ملموسة.

وهكذا تبقى الحقيقة واضحة:
القضية الكردية لن تُحل بالمقايضات ولا بتغيير الخطاب الإعلامي، بل بالاعتراف المتبادل، وبناء دولة مواطنة، وإقامة نموذج ديمقراطي يليق بشعب قدّم الكثير وتعرّض للكثير.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. سوريا: الشرع يوقع اتفاقا لوقف إطلاق النار مع قوات سوريا الدي


.. الاتحاد الأوروبي: هل يتم تفعيل آلية مكافحة الإكراه مقابل تهد




.. حرب التصريحات تشتعل بين ترامب وخامنئي.. هل اقتربت الضربة الأ


.. عاجل | الرئيس السوري يعلن توقيع اتفاق جديد مع قسد ينص على وق




.. ما أبرز ما جاء في تصريحات الرئيس السوري أحمد الشرع؟