الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


كيف أنتج العنف الرمزي دولة هشة في العراق

حيدر داخل الخزاعي

2025 / 11 / 29
مواضيع وابحاث سياسية


إن التنوع الثقافي والفكري يمثل ثروة حقيقية يمكن، إذا ما أُدير بطريقة صحيحة، أن يسهم في بناء مجتمع متماسك ونظام اجتماعي وسياسي مستقر، ودولة قائمة على أسس سليمة تنعكس آثارها إيجاباً على الواقع الداخلي والخارجي، ويعد العراق واحداً من أبرز دول الشرق الأوسط التي تتميز بتنوع اجتماعي واسع، يضم تعددية عرقية وقومية ودينية تمتد جذورها لقرون طويلة.
وقد شهد هذا التنوع، عبر العهود المختلفة، حالات من عدم الاستقرار نتيجة إثارة المكونات ضد بعضها من حين لآخر عبر تحريك العقد الدينية والطائفية والقومية، كما شهد العراق أشكالاً متعددة من العنف، يتخذ أحياناً طابعاً رسمياً صادراً عن السلطة عبر فرض منظومات قيمية وخطابات محددة، وأحياناً يكون مصدره جهات غير رسمية عبر إنتاج خطابات طائفية أو عنصرية، وقد يتحول العنف الرمزي في لحظة ما إلى عنف مادي، الأمر الذي يجعله من أخطر أنواع العنف لكونه يمارس بصورة خفية عبر الرموز والخطابات والبنى الثقافية، ويتم قبوله من قبل الخاضعين له بوصفه مسلمات لا يناقش مدى شرعيتها.
العنف الرمزي لا يتجلى في الإكراه الجسدي، بل يظهر في الهيمنة المعرفية والقيمية التي تنتج خضوعاً طبيعياً وداخلياً لدى الأفراد، وهو يختلف عن العنف المادي الذي يمثل الشكل المباشر للعنف، والقائم على استخدام القوة الفعلية من قبل الدولة أو الجماعات المسلحة بهدف السيطرة أو الإقصاء أو فرض الإرادة السياسية والاجتماعية، وفي البيئات الهشة مثل العراق، يمكن أن يتحول العنف الرمزي إلى مبرر للجوء إلى العنف المادي عبر استخدام الخطابات الدينية والقومية والسياسية لتعبئة الجمهور ومنح الشرعية الظاهرية لاستخدام القوة.
وعلى امتداد العقود الماضية، خصوصاً قبل عام 2003، شهد العراق أشكالاً واضحة من العنف الرمزي، فقد اعتمد النظام السياسي السابق على شرعية تمجيد الزعامة وإشاعة ثقافة الحزب الواحد، وتوظيف جميع الوسائل لترسيخ سلطة النظام وتثبيت زعامته عبر تهميش المعارضين، وقد أدى ذلك إلى انقسامات اجتماعية داخل الدولة، وظهور ثقافة تقوم على ثنائية نحن وهم، وأصبح الانتماء للدولة مرتبطاً بالانتماء للحزب أو الجماعة لا بالمواطنة. هذا التهميش أسهم في بروز تيارات مضادة داخل المجتمع اتخذت صبغات دينية أو طائفية أو قومية، وأسهمت خطاباتها في تعزيز الهويات الفرعية على حساب الهوية الوطنية الجامعة.
وبعد عام 2003، وصلت بنية النظام السياسي والاجتماعي في العراق إلى مستويات متقدمة من الهشاشة، فقد أدى الاحتلال الأميركي إلى تفكك الدولة ومؤسساتها السياسية والاجتماعية، وانهيار الأجهزة الأمنية وهياكل الإدارة، وظهور نظام المحاصصة الطائفية والقومية، ما أدى إلى تعبئة المجتمع وفق هويات جماعية متعددة، تشكل الفضاء العام بناءً على هذه التقسيمات، وأصبحت المنافسة السياسية تقوم على أساسها، لتعاد فرضها على الواقع الاجتماعي والسياسي، وقد ازداد ترسخ هذه الجماعات من خلال السيطرة على المؤسسات، وتحول العنف الرمزي إلى أداة خطاب تتبناها المؤسسات نفسها، بل ومهد الطريق لظهور العنف المادي كما حدث في الحرب الطائفية بعد 2003.
ومع مرور الوقت، زادت حدة التخندقات مع ظهور جماعات مسلحة على رأسها تنظيم داعش، ما أدى إلى تفاقم الصراعات بين المكونات العراقية تحت غطاء ديني أو طائفي، وبموجب خطاب يمنح شرعية للعنف، وفي ظل غياب قوة قادرة على ضبط التفاعل الاجتماعي والسياسي، اتسعت مساحة خطاب العنف الرمزي، وتحولت بعض الجماعات من إنتاج الخطاب إلى ممارسة العنف المادي الفعلي.
إن زيادة العنف الرمزي في العراق ترتبط بتحولات متشابكة أعادت تشكيل البنية الاجتماعية والسياسية على أساس هوياتي، وأسهمت الخطابات القائمة على الانتماءات الثانوية في تعزيز سرديات تجعل الآخر مصدر تهديد، ما أدى إلى انقسامات حادة داخل المجتمع، ومع نظام المحاصصة، تحول الانقسام الاجتماعي إلى بنية سياسية راسخة، فأصبحت مؤسسات الدولة قائمة على منطق التمثيل الهوياتي لا على مبادئ المواطنة والكفاءة، وتحولت هذه الانقسامات إلى صراع ذي طابع صفري، وصارت الهوية أداة لتوزيع السلطة والثروة.
ومع ظهور الكيانات المسلحة وتحول بعضها إلى قوى سياسية، بدأت الدولة تفقد احتكارها للعنف المشروع، وهو ما جعل العنف يتحول إلى أداة تفاوض داخل النظام السياسي بهدف تثبيت المكاسب بدلاً من سيادة القانون، وهكذا تماهى العنف المادي مع منطق النفوذ والمصلحة على حساب منطق الدولة.
إن التجربة العراقية، بما شهدته من عنف رمزي ومادي، تستوجب إعادة النظر في بناء الهويات الفرعية وتعزيز الهوية الوطنية بوصفها إطاراً جامعاً. ويمكن تحقيق ذلك عبر تفعيل دور المؤسسات الدينية والثقافية في إشاعة ثقافة التعايش، وأن يكون خطاب الدولة الرسمي والإعلامي قائماً على أسس المواطنة والانتماء إلى الهوية الوطنية الجامعة، كما يستلزم الأمر ضبط الدولة لعملية ممارسة العنف المشروع ومنع أي قوة خارج نطاقها من ممارسة العنف، فضلاً عن مواجهة المنابر والمنصات التي تروج لخطاب الكراهية والعنف الرمزي عبر الضد النوعي والإجراءات القانونية، وإشاعة ثقافة المواطنة والمساواة والاحترام المتبادل.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. قاليباف يؤكد أن مضيق هرمز لن يُفتح قبل تلبية الولايات المتحد


.. أزمة هرمز تشتعل.. ترامب يهدد بالضم وإيران تتوعد بالإغلاق | #




.. حرب هرمز تشتعل.. ترامب يضغط وإيران تلوّح بالتصعيد | تغطية خا


.. ترمب ينشر في منصة تروث سوشيال خريطة لمضيق هرمز عليها عبارة -




.. دلالات استهداف إسرائيل لمطار أبو الظهور في ريف إدلب الشرقي