الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
النهر الذي لم نعبره مرتين: قراءة في قصة نجيب محفوظ -نصف يوم-
أكرم شلغين
2025 / 11 / 30قضايا ثقافية
لم يكن ذلك الصباح مجرد صباح، بل كان طقساً من طقوس الوجود. الساعة تشير إلى البكور، والوالد – ذلك الحكيم الأول في حياة كل إنسان – يقود ابنه نحو البوابة الحديدية الضخمة. كانت مقاومة الولد احتجاجاً فطرياً على الانزياح الأول من فردوس الطفولة. "لن أعذبكم! دعوني أبقى هنا!" كانت صرخة ضد القسر، ضد الانزياح القسري من عالم الأمومة الحاني إلى عالم المجهول. أما وعد الأب "سأعود بعد الظهر"، فكان أول الأوهام الجميلة التي نعيش عليها، وأول المواثيق التي تنكسر على عتبة المصنع العظيم – مصنع "الرجال" كما سماه الأب.
يلتقي الولد بزميله الأول، ذاك الصبي الذي لا أب له. هنا، يضعنا محفوظ أمام أولى مقارنات الوجود: فلسفة "الآخر". نحن لا نعرف ذواتنا إلا بوجود الآخرين، ولا نقيس معاناتنا إلا على مقياس معاناتهم. كان جان بول سارتر يرى أن "الجحيم هو الآخرون"، لكن محفوظ يقدمها بطريقة أرق: الآخرون هم مرآتنا، هم من يمنحون معاناتنا ومعاناتنا قيمتها النسبية. أنت محظوظ لأن لك أباً، وهو تعيس لأنه محروم. هذه هي البداية.
داخل المتاهة، يتعلم الولد – ونحن معه – القانون الكوني الأكبر: ثنائية الوجود. النور والظل، اللطفاء والقاسون، المعلم الذي يرشد والمعلم الذي يرهب. هنا يبدأ محفوظ، بمهارة العارف بطبائع البشر، في غرس بذرة الوعي بأن الحياة لا تُعطى بالتساوي، وأن وجودنا يُفهم دائماً تحت ضوء المقارنة: نحن أفضل من بعض وأسوأ من بعض، والحياة تمزج بين المنحة والمحنة، بين الامتياز والحرمان. إنها محاكاة مصغرة للعالم. لم يعد المنزل هو الملجأ الوحيد، بل صار العالم فسيفساء من التناقضات. هنا نستحضر فكرة الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه عن "حب القدر"، حيث على المرء أن يحب كل ما في حياته، بما في ذلك معاناته، لأنها تشكله. المعاناة والمتعة وجهان لعملة واحدة اسمها "التجربة".
ثم تأتي النهاية، التي هي بمثابة صفعة ميتافيزيقية إذ ينتظر الولد عند البوابة ذاتها، لكن الأب لا يأتي. الزمن، ذلك الساحر الخادع، كان ينسج خلف ظهره. لم يكن ينتظر ساعات، بل كان ينتظر عمراً. المشي باتجاه البيت يتحول إلى رحلة في أطلال الزمن. كل شيء تغير: "لا الأشجار موجودة ولا ما رآه في الصباح مازال على حاله". إنها فكرة "نهر هيراقليطس" التي تجسدت: "لا تستطيع أن تنزل في النهر نفسه مرتين، لأن المياه الجديدة تتدفق عليك دائماً". كل شيء يجري، كل شيء في سيلان، والزمن هكذا لا نستطيع العيش في أي لحظة منه مرتين.
ثم تأتي الضربة القاضية: ذلك الصبي الذي يخاطبه "أيها الجد!". في هذه اللحظة، ينكسر وعي الزمن. كان إيمانويل كانط يرى أن الزمن ليس وجوداً موضوعياً قائماً بذاته، بل هو إطار حدسي قبلي ننظم من خلاله تجاربنا. الولد، الذي كان إطاره الزمني هو "نصف يوم"، يكتشف فجأة أنه كان يسكن زمناً آخر، هو زمن العمر كله. إنها "الغربة الوجودية" التي يتحدث عنها الفلاسفة الوجوديون، حيث يشعر المرء فجأة بأنه غريب في عالم لم يعد يعرفه، وغريب عن ذاته التي تغيرت دون أن يدري.
الرجل الكهل الذي يقابله ويقول: "كيف حالك؟ لم أرك منذ فترة!" هو شاهد من الماضي على حقيقة الحاضر. إنه صدى لذات مضت، تأتي لتؤكد أن الشخص الذي كان ذات صباح هو غير الشخص الذي أصبح الآن. كل شيء يتغيّر، وأنت أيضاً تتغيّر دون أن تنتبه. محفوظ هنا قريب جداً من فلسفة مارتن هايدغر عن "الكينونة في الزمن"، وأن الإنسان لا يفهم نفسه إلا حين يلتفت إلى الوراء ويكتشف أنه كان يسير نحو نهايته طوال الوقت دون أن يشعر.
وكذلك تذكرنا القصة بعبارة تولستوي: "الحياة ليست ما نعيشه، بل ما نتذكره في النهاية". فالطفل لا يدرك أنه عاش عقوداً إلا عندما ينظر فجأة في مرآة الزمن، كما يفعل كبار السن حين يندهشون: كيف مرّ العمر بهذه السرعة!؟
فيها أيضاً صدى لـ كامو وعبثية إدراكنا المتأخر للوجود: نركض، نتعلم، نحارب، نكبر… ثم نكتشف في لحظة خاطفة أن كل ما عشناه كان "يوماً" واحداً في كتاب الزمن. ونعيد السؤال: أكان ذلك نصف يوم.. أم نصف حياة!؟ ما يفعله محفوظ في هذه القصة هو اختزال لفكرة "العبث" لدى ألبير كامو. إن بطلنا هو "سيزيف" آخر، لكن صخرته كانت المدرسة، ووعره كان الشارع الذي لم يعد يستطيع عبوره. لقد قضى عمره كله في أداء طقوس يومية (الذهاب إلى المدرسة، التعلم، مواجهة الآخرين) ليكتشف في النهاية أن هذه الطقوس كانت تمتص عمره دون أن يشعر.
بشكل عام فإن القصة تطرح أسئلة وجودية كبرى حول: طبيعة الزمن: هل الزمن حقيقي أم هو وهم إدراكي؟ القصة تقول إن إحساسنا بالزمن نسبي ومخادع. ما نعتقد أنه بضع ساعات قد يكون عمراً كاملاً من التجارب والتحولات. ولا اقل أهمية من هذا السؤال موضوع خداع الذاكرة: نحن نعيش على أوهام الماضي. الوعد بالعودة، ذكريات الطريق، صورة الأم... كلها تصبح أطلالاً عندما تصطدم بحقيقة الحاضر المتغير. وربما السؤال الأهم يصبح عن جدوى الرحلة: إذا كانت نهاية الرحلة هي العجز والغربة، فما معنى البداية بالحماس والألم؟ قد تكون الإجابة هي أن المعنى لا يكمن في الوجهة، بل في الرحلة ذاتها. في ذلك الصباح الذي أصبح عمراً، عاش الولد، تعلم، تألم، فرح، وخَبِر تناقضات الوجود. هذه هي الحياة بعينها.
في النهاية، "نصف يوم" ليست قصة عن الذهاب إلى المدرسة. إنها قصيدة نثرية، وهي أيضا خارطة عن رحلة الإنسان من الاعتماد على وعود الآخرين، إلى الاستقلال القسري، ثم إلى العجز المفاجئ. إنها تذكير بأننا جميعاً ذلك الولد الذي دخل من الباب في الصباح، وما إن ننغمس في تفاصيل "نصف يومنا" حتى نجد أنفسنا شيوخاً عند الباب، ننتظر من لن يأتي، مستغرقين في دهشة من سرقة الزمن، الذي هو لص لا يسرق الأشياء، بل يسرقنا من أنفسنا.
بين الطفولة والكهولة نمر بين من يحبوننا ومن يسيؤون إلينا، حقا يمر الإنسان في الحياة بين عطف وخذلان، بين قلوب ترفعه وأخرى تجرحه، بين لحظات يريد الإمساك بها وأخرى يريد الهرب منها. ومثلما ينتظر الأب الذي لا يعود، ننتظر نحن جميعاً "وعوداً" لا تتحقق: وعد الأمان، وعد الحب، وعد العدالة، وعد أن الزمن سيصبر علينا.
لكن الزمن لا يصبر. الزمن يمضي… مثل ذلك الأب الذي لم يعد.
إنه الزمن الإنساني، وعن لحظة الإدراك التي لا تحدث إلا متأخرة… تماماً كما يحدث في الحياة.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. فضيحة إبستين.. اتهامات بالتستر تطال إدارة ترامب وعلى رأسهم ا
.. بعد انسحاب القوات الأمريكية.. سوريا تتسلم قاعدة التنف العسكر
.. قافلة داعش الأخيرة تغادر سوريا نحو العراق.. هل بدأ الخطر الأ
.. ساحل بلا ضفاف.. الصعود الدامي للقاعدة وداعش في أفريقيا | #وث
.. الخارجية الروسية: الاتحاد الأوروبي يمنع أوكرانيا من التوصل إ