الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


إطلالة على الأدب السَّاخر (1) (الجزء الأول)

سيمون عيلوطي

2025 / 11 / 30
الادب والفن


إطلالة على الأدب السَّاخر (1)
(الجزء الأول)
جاء في ردِّ الدُّكتور الأديب، أحمد ناصر على مقالي الذي نشرته مؤخَّرًا على صفحتي في "الفيس بوك" بعنوان: "ابتكار أدب فلسطيني جديد"، جاء في ردِّه ما يلي:
"هناك فارق بين تكريم الأدباء الحقيقيين الذين تركوا بصمة واضحة في النص الفلسطيني، وبين تكريم بعض الأسماء بدافع المحسوبية أو العلاقات. هذا ما أظن أن الكاتب أراد التنبيه له، لكنه جاء بصيغة ساخرة أكثر منها تحليلية.".
حول "لكنه جاء بصيغة ساخرة أكثر منها تحليلية" أقول:
لا شكَّ أنَّ الصَّديق الكاتب الدُّكتور أحمد ناصر، يعرف بعمق، لا سيَّما أنَّه
على اطلاع واسع، أن الأدب السَّاخر كان عبر مسيرته الطَّويلة يمتاز في توجيه النَّقد لمختلف الظَّواهر التي تستحق النَّقد، فيأتي نقده بأسلوب ساخر يبعث الجُّمهور على الضَّحك والسُّخرية، بهدف تصحيح الاعوجاج في ثقافة المجتمع، ودفعه نحو الأفضل، وسوف أنتهز الفرصة لأقف عند بعض محطَّات هذه المدرسة الأدبيَّة-الفنيَّة الكبيرة، ليس بالنَّقد والتَّحليل، بل برصد الظَّاهرة لأهميَّتها، ودورها الرَّائد في الحركة الثقافيَّة عامَّة.
أود أن أقف أوَّلًا عند أبرز الكتَّاب السَّاخرين في فرنسا، مُولْيير1622-1673، وهو كاتب مسرحي كوميدي، وشاعر، ممثل، ومخرج، يُعتبر مُؤَسِّس "الكوميديا الرَّاقية" في بلده، فرنسا، وفي أوروبا عمومًا. قام بتأليف وعرض العديد من الأعمال المسرحيَّة، منها: "مدرسة الأزواج"، 1661م، "مدرسة الزَّوجات"، 1662م، "طرطوف"، 1664م، "طبيب رغم أنفه"، 1666م، "البخيل"، 1668م،"عدو البشر" 1670م، وغيرها.
سخر موليير في أعماله الكوميديَّة، الاجتماعيَّة من العادات والتَّقاليد البالية التي تمسَّك بها أبناء مجتمعه في تلك الحقبة الزمنيَّة، كما قام بعرض وتمثيل الكثير من مسرحيَّات المسرحيِّين الآخرين، شرط أن تتوفَّر فيها السُّخرية اللاذعة، وتُقدَّم بأسلوبٍ نقديِّ حاد للأشخاص أو للظَّواهر التي تستحق الاستهزاء والتوبيخ، كما كان يحرص على أن تحتوي على نبرة ساخرة تدفع المُشاهد للضَّحك، والشُّعور بالألم من الظَّواهر السلبيَّة التي يعاني منها المجتمع.
توفي مُولْيير في العام 1673 من نزيف حاد اثناء تأدية دوره في مسرحيَّته الشَّهيرة: "المريض الوهمي".
أمَّا الكاتب المسرحي والنَّاقد الأيرلندي، جورج برناردشو (1856-1950)، الذي عُرِفَ بأسلوبه السَّاخر، وأفكاره الجَّريئة، خاصَّة المسكوت عنها، فقد انتقد بشدَّة في مسرحيَّاته العديد من الأمور الاجتماعيَّة والسياسيَّة التي رآها سلبيَّة، لا تخدم مجتمعه. فاز بجائزة نوبل في الأدب عام 1925، ونال أيضًا جائزة الأوسكار عن سيناريو مسرحيَّته الشَّهيرة "بيجماليون".
*الأدب السَّاخر في أوروبا في العصر الحديث*
لا أريد في هذه العجالة أن أتطرَّق إلى تاريخ وتطوُّر هذا النَّوع الأدبي في أوروبا مثلًا، بقدر ما أريد أن أشير إليه باعتباره مدرسة أدبيَّة وفنيَّة كبيرة، حظيت في مختلف الدُّول الأوربيَّة، منذ العصور السَّالفة على اهتمام الكتَّاب والنقَّاد والجُّمهور والأكاديميَّات ودور النَّشر ما جعل هذه المدرسة الأدبيَّة الكبيرة تواصل تطوَّرها في العصر الحديث في أوروبا من مسرح الكوميديا الارتجالي، إلى مسرحيَّات موليير وشكسبير وغرهما، حتى وصل مرحلة ناضجة، أذ تمَّ توظيفه كأداة لانتقاد الممارسات الاجتماعيَّة والسياسيَّة التي تفتقر إلى العناصر النَّافعة في حياة المجتمع، وقد برز في هذا المجال في العصر الحديث في أوروبا "الأدب السَّياسي السَّاخر" لمؤلِّفه: شون أوكيسي، حيث أبدع في تصويره لمختلف القضايا المعاصرة، وذلك عبر استحضار الفكاهة لانتقاد الواقع الاجتماعي والسِّياسي، رغم العراقيل والتَّحديات الفرديَّة والجماعيَّة التي تواجه الإنسان في العصر الحديث.
الأمثلة على ازدهار وتطوُّر الأدب السَّاخر الذي نحن بصدده في أوروبا والعالم كثيرة، وأعتقد أنَّ الإشارة التي لفتُّ النَّظر إليها حول هذا الأدب عند "شون أوكيسي"، تكفي للدَّلالة على رصد الظَّاهرة في أَوْج تطوّرها، غير أنَّ المُهتم في هذا الشَّأن، بإمكانه أن يعود إلى المراجع الكثيرة المتوفِّرة على الشَّبكة العنكبوتيَّة للمتابعة، مع الأخذ بالاعتبار أن هناك العديد من المواقع الجادة، نستطيع اعتمادها بثقة.
إطلاله على الأدب السَّاخر في الأقطار العربيَّة
واكبت الثقافة العربيَّة الكتابة السَّاخرة قديماً، لعلَّ أول من طرقها هو الجاحظ، في كتابه "البخلاء"، ثم من تبعه من الشُّعراء في هذا المجال لاحقاً مثل أبو العتاهية والحطيئة، كما أنَّ شخصيَّة جحا لعبت دورًا مرموقًا في الأدب العربي السَّاخر.
حين ننظر إلى أدبنا العربي الحديث، نجد أنَّ الأدب السَّاخر شغل الكثير من الأسماء الأدبيَّة اللامعة، توزَّعت على كتابة المسرح، القصَّة، المقالة، وغيرها من الأصناف الأدبيَّة. من كتَّاب المقالة السَّاخرة أذكر الأديب اللبناني الكبير، مارون عبُّود، المعروف بفصاحة لسانه وسخريته من مرارة الواقع التي نتج عنها عنتريَّات أدبيَّة، فهذا أمير الشَّعراء، وذاك عميد القصَّة، ما دعاه إلى تقديم نقد هذا الواقع من خلال الضَّحك.
لا بدَّ ونحن مع مارون عبُّود في لبنان أن نقف عند أعمال صاحب التَّجربة الرائدة في مجال الكتابة الساخرة سلام الرَّاسي، من اصداراته: "حكايات أدبيَّة من الذَّاكرة الشعبيَّة"، "قال المثل"، "جود من الموجود"، "الحبل على الجرَّار"، "القيل والقال والنَّظر في عقول الرِّجال"، "شيخ بريح"، "حكي قرايا وحكي سرايا"، وسواها، جميعها جديرة بالقراءة.
وفي مصر، فقد برز في مجال الأدب السَّاخر الكاتب الكبير محمود السَّعدني، الذي نُفِيَ وسُجِن عدة مرات، بسبب أفكاره الجَّريئة وسخريته اللاذعة.
من رواد الأدب الساخر في سوريا أذكر: محمد الماغوط، حسيب كيالي، وزكريا تامر.
في فلسطين فقد تعاطى وكتب في الأدب السَّاخر ألأديب المرحوم سلمان ناطور، من أعماله السَّاخرة: "خمارة البلد".
أري أنَّ أدبنا العربي السَّاخر يستحق أن نقف حوله وقفه متأنِّية، سأعود إليها قريبًا.
(يتبع)








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. أحمد سعد الألبوم الجديد شكل مختلف للموسيقى وقالب حديث


.. وقف قدام أبطال السينما المصرية.. الفنان أحمد كمال في ضيافة #




.. فيلم محمود التاني ..لما الحريفة يكتشفوا طريق جديد في #الريفي


.. أحضان بالمجّان وسط الركام.. فنان كولومبي يواسي متضرري زلزال




.. مسيرة ناجحة لـ أحمد غزي وأحمد بحر كزبرة في السينما المصرية