الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


سوريا بين زعامات دينية وفراغ سياسي.. إلى أين يتجه البلد؟

ضيا اسكندر
كاتب

2025 / 12 / 1
مواضيع وابحاث سياسية


في اللحظات التي تشتدّ فيها الأزمات ويتصدّع ما تبقّى من ركائز الدولة، تبرز ظواهر لا تنفصل عن سياقها، فهي امتداد طبيعي لسنوات طويلة جرى خلالها تغييب السياسة وتهميش القوى المدنية. وما نشهده اليوم في سوريا من صعود أصوات دينية إلى منصّة الفعل السياسي يُعدّ حدثاً ذا دلالة عميقة، يكشف حجم الفراغ الذي خلّفته سلطة عطّلت ساحة الفعل المجتمعي، ونظام سابق أجهز على التعددية حتى دفع الدولة إلى حافة الانهيار.
إن بروز الشيخ غزال غزال، رئيس المجلس الإسلامي العلوي الأعلى في سوريا والمهجر، والشيخ حكمت الهجري، الرئيس الروحي لطائفة الموحّدين الدروز، كزعيمين سياسيين في هذه المرحلة الحساسة من التاريخ السوري، لا يعكس تقديراً لثقلهم الاجتماعي ولا يُعد امتداداً طبيعياً لدورهم الروحي، وإنما يشكّل تعبيراً مكثّفاً عن انحسار الحياة السياسية، وتلاشي القوى والأحزاب التي تعرّضت للتضييع المنهجي لسنوات، ثم واجهت استكمال هذا المسار على يد سلطات الأمر الواقع التي دفعت بتهميشها إلى أقصاه.
ومع الاحترام العميق لمختلف المرجعيات الدينية، فإن التجارب في سوريا وخارجها أثبتت أن إدخال رجال الدين إلى دهاليز السياسة لا يؤدي إلا إلى تكريس الانقسام وتعميق الشرخ الطائفي. فالمؤسسة الدينية، مهما كانت مكانتها، ليست مؤهلة لحمل مشروع سياسي وطني جامع، وهذا ما يسعى خصوم الشعب السوري، داخل البلاد وخارجها، إلى استثماره ودفعه إلى أقصى حد.
ما شهدناه منذ أيام من اعتصامات سلمية محقّة في حمص واللاذقية وطرطوس وجبلة وبعض أرياف حماة، والتي طالبت بوقف الانتهاكات، والإفراج عن المعتقلين، وإعادة العاملين إلى وظائفهم، واعتماد اللامركزية، هو فعل احتجاجي مشروع يعكس حجم الاحتقان المتراكم لدى السوريين. وقد جاءت هذه التحركات استجابةً لدعوة الشيخ غزال غزال لأبناء الطائفة العلوية للمطالبة بحقوقهم بطرق سلمية؛ خطوة قد تُقرأ كصحوة متأخرة، لكنها ليست منزوعة المخاطر.
فالقوى الإقليمية والدولية النافذة في المشهد السوري تعمل بجدّ على إعادة تشكيل الخريطة السياسية على قاعدة تغييب القوى المدنية وفرض شخصيات دينية بوصفها ممثلي «مكوّنات» لا «مواطنين». الهدف المباشر هو جرّ سوريا نحو نظام محاصصة طائفية على شاكلة لبنان والعراق، أما الهدف الأبعد والأخطر فهو تفتيت البلاد إلى دويلات ضعيفة، متناحرة، يسهل التحكم بمساراتها وصراعاتها، وتبقى أسيرة حروب طائفية لا تبقي ولا تذر.
وما لم تعِ القوى الديمقراطية حجم الخطر وتبادر إلى توحيد صفوفها وتشكيل جبهة وطنية عريضة عابرة للطوائف والقوميات، تتفق على برنامج انتقالي واضح، وتطلق حواراً وطنياً حقيقياً يقود إلى حكومة انتقالية ودستور عصري وانتخابات نيابية ورئاسية وفق القرار الأممي 2254 وما أكده القرار 2799، فإنّ سوريا التي نعرفها قد تنزلق إلى مستقبل لا يشبه إلا الخراب.
سوريا اليوم تقف عند مفترق خطير، بين طريق يعيد إنتاج الطائفية ويغلق باب السياسة، وطريق يفتح نافذة للأمل عبر مشروع وطني جامع يعيد للشعب صوته وللدولة معناها. والخيار ليس ترفاً ولا نقاشاً نظرياً، بل مسار حياة أو موت.
فإمّا أن تتقدّم قوى التغيير لتعيد للبلاد توازنها وتمنعها من السقوط في جبّ التطييف والتشظّي، وإمّا أن تُترك سوريا تنحدر نحو صفحة باهتة في التاريخ… صفحة تقول إنّ وطناً عظيماً كان هنا، والآن صار ذكرى.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. -نحس- ليونيل ميسي.. طقوس غريبة تمنع رئيس الأرجنتين من السفر!


.. بعد اتهامات ترمب للصين.. واشنطن تطلب مراجعة قوائم الناخبين




.. صفقة الـ 110 مليارات دولار.. صراع قضائي لمنع احتكار الإعلام


.. إسرائيل تقر مستوطنة جديدة بالضفة ليرتفع العدد إلى 104 خلال ع




.. خبير عسكري: إصرار جنرالات الحرس الثوري على الحسم العسكري يعر