الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
-لماذا يوجد شيء بدلًا من لاشيء؟-
سعود سالم
كاتب وفنان تشكيلي
(Saoud Salem)
2025 / 12 / 2
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
1 - على هذه الأرض الخراب، وتحت هذه السماء المثقوبة، وفي هذا العالم المحترق، ما زال هناك من يبحث عن المعنى والهدف من كل وجودنا في هذه المعمعة وفي هذا الضجيج. وما زال هناك من يتساءل: ماذا أفعل في وسط هذه المزبلة، ولماذا نواصل هذه الرحلة التي لا معنى لها، لماذا نحرص على هذه الحياة المقرفة؟ في عالمٍ يبدو فيه كل شيء عابرًا وعبثيا وعديم المعنى، يخيم عليه الموت والضحالة والعنف، عالم ممتلئ بالجثث والحرائق والأنقاض والدمار، يمكننا أن نتساءل: ما الغاية من وجود الإنسان على هذه الأرض؟ هذا الكون الشاسع، بكل تعقيداته وجماله ولا نهائيته، يبدو وكأنه مسرحٌ ضخم بلا متفرجين، حيث لا يوجد سوى الممثلين يلعبون أدوارًا مضحكة بدون نصوص وبدون حبكة درامية. الحياة، بتفاصيلها اليومية المقلقة، تبدو وكأنها سلسلة من الأحداث العرضية التي يمكنها أن تحدث أو لا تحدث.
هل نحن مجرد ظلال تتحرك في فراغٍ لا نهائي؟ هل كل ما نفعله، كل ما نحلم به، كل ما نخشاه وكل مشاريعنا الصغيرة أو العملاقة، كل علاقاتنا مع أحبائنا، مع أعدائنا، مع الذين نراهم والذين لا نراهم، كل ذلك هل هو مجرد صدىً يضيع في صمت الكون الشاسع؟ حتى العِلم، هذا الدين المقدس، والذي أصبح قادرا على الإجابة عن كل تساؤلات البشرية القديمة والحديثة، والذي يقدم لنا تفسيراتٍ لكل الظواهر الطبيعية، لا يستطيع أن يجيب على هذا السؤال البسيط : لماذا هناك أي شيء بدلًا من لا شيء؟
2 - هاك أسئلة، ستبقى دائمًا بلا إجابة، ليس لأننا لا نستطيع محاولة إيجاد حل للمعادلة، بل لأنه بمجرد إيجاد الإجابة، تعود الأسئلة وتطفو على السطح أكثر إصرارا، كالفلينة التي تطفو مجددًا بمجرد تركها بعد دفعها تحت الماء. هذا السؤال، "لماذا يوجد شيء بدلًا من لا شيء؟"، كغالبية الأسئلة الفلسفية، يبدو أنه يتسم بطابعٍ أزلي وسيبقى مطروحا حتى نهاية العالم، بدون إجابة.
هذا السؤال يبدو مقلقا، ولكنه في نفس الوقت يبدو غير صحيح وبفتقد للأسس المنطقية السليمة. بالطبع، في الفلسفة، يحق للمرء طرح أي سؤال يخطر عل الذهن في أي مجال من مجالات البحث المتشعبة، والخط الأحمر هو المنطق والترابط وشرعية التساؤل وضرورته لمواصلة البحث. في قصيدته التأسيسية للمنطق والأنطولوجيا، أطلق بارمنيدس حقيقة متفجرة، ما زالت أثارها وشظاياها مثناترة حتى اليوم على الساحة الفكرية: الكينونة تكون والعدم لا يكون. وبالتالي، إستحالة وجود العدم. وهذا يصعب علينا نحن الكائنات الموجودة استيعابه عن طريق اللغة، لأننا عندما نبدأ بالحديث عن العدم، نُضفي عليه تلقائيًا شكلًا من أشكال الوجود، وبالتالي، من خلال خدعة لغوية، نُظهر ما لا يمكن وجوده، ما لا يمكن تصوره. وتصبح الكينونة بديهية أنطولوجية.
3 - إن هذا السؤال، يُؤدي نفس غرض الكوآن Kaon؛ ذلك السؤال البسيط الذي من المستحيل الإجابة عليه مثل: "ما صوت يدٍ واحدة تُصفّق؟" الذي يُعطيه مُعلّم الزن Zen لتلميذه للتأمل فيه، مُحاولًا فصله عن منطقه المُستبد المُعتاد، ومُحاولًا فتح عقله لشيء آخر...الكوآن، هو قصة أو حوار أو سؤال أو مسألة أو جملة أو لغز أو معضلة، من تراث الأدب البوذي في الصين القديمة يُستخدم في ممارسة بوذية زن لإثارة الذهن ولتمرين أو اختبار تقدم الطالب في تأملاته. الكوآن هو تدريب ذهني على موضوع للتأمل يلقيه المعلم البوذي على المريد، ويطلب منه العودة بالإجابة بعد تأمل، ليدفعه إلى ترك طرق التفكير المعتادة مثل المنطق والمقارنة والإستنباط.. وتجربة طرق أخرى للمعرفة للاتجاه إلى صلب الموضوع وهو غالباً الهدف النهائي للبوذية، أي الاستنارة والوصول للحقيقة عن طريق الحدس المباشر.
4 - أعتقد العديد من مفكري العصر أن فيتجنشتاين "العبقري" قد حل المعضلة وأخرج البشرية من هذا المأزق الميتافيزيقي والمنطقي في خاتمة كتابه تراكتاتوس - "رسالة منطقية فلسفية" بقوله إن ما لا يُمكن الحديث عنه يجب أن يُترك مكتوما. وبما أنه لا يُمكن للمرء الحديث عن العدم دون تحريفه بإعطائه شكلًا من أشكال الكينونة، فإنه من الأفضل عمومًا الصمتَ بشأن هذا السؤال، منطقيًا تمامًا. . وحتى دون اللجوء إلى جورجياس، الذي يفترض العدم المُطلق لكل شيء، واستحالة معرفة أي شيء، أو حتى التعبير عنه، فإنه من المُستحيل مُعالجة سؤال غير صحيح بعقلانية. يقول شكسبير: "أن نكون أو لا نكون، هذا هو السؤال!"، أما أبيقور، وهو مادي محنك يسألنا: "لكن أين المشكلة؟ العدم كالموت: عندما يكون موجودًا، نختفي، وعندما لا يكون، نكون. فلنكن أحياءً وهادئين!" وهكذا، فإن العدم ليس سؤالًا، إنه وهم أدبي، اختراع روحي ساحر.
5 - ولكن كيف يُمكن لعقلٍ واع أن يصوغ سؤالاً طفوليا كهذا؟ لماذا يُثير سؤالٌ "سخيفٌ أو تافه" كهذا اهتمامَ عقولٍ لامعةٍ طوال هذه المدة الطويلة؟ وكما هو الحال مع الصفر في الرياضيات، يبدو العدم في الفلسفة جاذباً كونياً يُصرف النظر عنه بسرعةٍ إذا رغب المرء في إطالة أمد التأمل أو مواصلة مهمة التفكير والحوار. تطور فكر ديكارت من خلال الكوجيتو خير مثال على ذلك. لم يكن بإمكان ديكارت في تأملاته أن يفعل شيئًا بعد أن قرر البداية من الصفر، وأصبح أمام "اللوح الفارغ" إلا أن يبدأ بإثبات وجوده، وبذلك يُلغي العدم. لكنه في هذا التمرين، اكتفى بتكرار بارمينيدس، الذي كتب قبل 21 قرنًا: "الفكر والكينونة هما شيء واحد". وكما ذُكر آنفًا، فإن هذا اليوناني القديم، بتأكيده أيضًا أن "الوجود موجود، والعدم لا موجود"، أزال العائق الأول وعَبَرَ البوابة النارية التي تُعيق كل تفكير فلسفي.
6 - كان لايبنتز أول من صاغ السؤال في كتابه "مبادئ الطبيعة والنعمة" (1714) على هذا النحو، ثم أوضح أن لا شيء يحدث بدون سبب.وسعى إلى تفسير العالم، مؤكدًا أن لكل شيء سببًا كافيًا يُفسره، إله عاقل يحسب جميع العوالم الممكنة، ثم يختار أفضلها ليتحقق. يقول ليبنتز:
"الآن، علينا أن نرقى إلى مستوى الميتافيزيقا، مستفيدين من المبدأ العظيم، وإن قلّما يُستخدم، القائل بأن لا شيء يحدث دون "سبب كافٍ"؛ أي أنه لا شيء يحدث دون أن يتمكن من يملك معرفةً كافيةً بالأشياء من تقديم سببٍ كافٍ لتحديد سبب وجوده على هذا النحو، وليس على غيره. بعد ترسيخ هذا المبدأ، يصبح أول سؤالٍ يحق لنا طرحه هو: لماذا يوجد شيءٌ ما بدلًا من لاشيء؟ إن اللاشيء أبسط وأسهل من شيءٍ ما. علاوةً على ذلك، بافتراض وجوب وجود الأشياء، يجب أن نكون قادرين على تقديم سببٍ لوجودها على هذا النحو، وليس على غيره. الآن، لا يمكن إيجاد هذا السبب الكافي دون سلسلة الأشياء الممكنة. وهكذا، فإن السبب الكافي، الذي لا يحتاج إلى سببٍ آخر، يجب أن يكون خارج سلسلة الأشياء الممكنة هذه، وأن يكون في جوهرٍ هو علته، وهو كائنٌ ضروري، يحمل في ذاته سبب وجوده. وإلا، لما كان لدينا سببٌ كافٍ، سببٌ ننتهي إليه. وهذا السبب النهائي للأشياء يُسمى الله."
يُقدّم لايبنتز هنا، بطريقة غير مباشرة، دليلاً على وجود الله بالاعتماد على سؤال بالغ الأهمية في التراث الفلسفي الأوروبي: "لماذا يوجد شيء بدلًا من العدم؟" هذا سؤال ميتافيزيقي بالغ الأهمية كما سبق القول. ليبنتز يختلف في بحثه عن ديكارت في إثبات وجود الله: فهو لا يرتكز على فكرة وجود كائن ضروري، بل على فكرة العلة الأولى الكافية لبقية العلل، علاوة على ذلك، يُعدّ هذا السؤال من أكثر الأسئلة طبيعية والتي يُمكن للبشر طرحها. لا شك أن مبدأ "السبب الكافي" لا يُمكن تطبيقه إلا ضمن سلسلة الأحداث الطارئة أو العرضية داخل الكون. ولذلك، فهو لا يسمح لنا بافتراض وجود سبب ضروري، وهو الله، خارج العالم. وبالتالي يبقى السؤال الأولي بدون إجابة حاسمة. ونري هنا كبف يحاول العقل أن يلف حول نفسه ، بل ويحاول "الغش" بطريقة مشينة، فالسؤال لماذا هناك شيء بدلا من اللاشيء، لا يتعلق بميكانيكية الكينونة وكيف جاءت وإنما بالغاية والهدف النهائي لهذه الكينونة. فحتى لو كان الله هو سبب وجود شيء بدلا من لا شيء، فإن السؤال يبقى قائما : لماذا خلق الله الكينونة بدلا من العدم. والقول بأن الله أراد ذلك لاتكفي لإلغاء السؤال اللاحق، ولماذا أراد الله ذلك .. وهكذا إلى مالا نهاية.
7 - ربما تكون الحقيقة الأكثر إيلامًا، هي عبثية السؤال ذاته، ذلك أننا نبحث عن معنى في مكانٍ لا يوجد فيه معنى. بل والبحث عن المعنى والحقيقة وما شابه من المفاهيم الضبابية هو في ذاته يخلو من المعنى. نحن نخلق قصصًا وننسج أساطيرًا وطقوسا وأديانا لنعطي حياتنا شكلًا مقبولا لعقولنا، لكن في النهاية، كل ذلك قد يكون مجرد محاولة يائسة لملء الفراغ الذي لا يمكن ملؤه.
لكن، في هذا الفراغ، ربما يوجد الحل الصحيح لمعادلة الإنسان المحكوم عليه بالشقاء، ربما نجد شيئًا من الحرية. إذا لم يكن هناك معنى مطلق، فإننا نكون أحرارًا في أن نعطي حياتنا المعنى الذي نختاره. ربما تكون العدمية الميتافيزيقية ليست نهاية الطريق، بل بداية لفهمٍ جديدٍ لوجودنا، حيث نتحرر من قيود المعنى والهدف والغاية ونخلق العالم الذي نريده. في النهاية، ربما يكون السؤال ليس "ما هو معنى الحياة؟ أو لماذا نحن هنا؟" بل السؤال هو "ماذا نريد أن نفعل بهذا الفراغ؟"
8 - أن ... ......................................
..........................................................................
...................................................
......................
......................
.........
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. مراسلة الجزيرة ترصد تطورات حادثة إطلاق النار في جامعة براون
.. قتيلان وإصابات عدة جراء إطلاق نار في جامعة براون بولاية رود
.. مظاهرة في العاصمة تونس تنديدا -بقمع الحقوق والحريات-
.. لبنان يدعو لترسيم الحدود مع سوريا وتأجيل الحديث حول مزارع شب
.. قوات الاحتلال الإسرائيلي تقتحم بلدة السيلة الحارثية في جنين