الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
على ضفة نهر العشار
نعمة المهدي
2025 / 12 / 2الادب والفن
قصة قصيرة
لم تكن البصرة تعرف تلك الليلة الهادئة سوى صمتٍ ثقيل يشبه الصهد الذي يسبق العاصفة.
في الأزقة القريبة من العشار، كان الضابط عادل اللامي عائدًا إلى بيته بعد واجب مرهق، حين لمح شيئًا صغيرًا يتحرك قرب حاوية صدئة.
اقترب… فإذا بطفلٍ رضيع ملفوف ببطانية رقيقة، يكاد صوته يختنق تحت البكاء.
حمله بين يديه، وراح ينظر حوله: لا أحد.
لكن رسالة صغيرة كانت موضوعة على صدر الطفل، مكتوب عليها بخط مرتجف:
“سامحني يا ولدي… أبوك يريد قتلك.
أنا موقنة أنهم سيصلون إليّ…
سلّمتك لله… ثم لأهل الخير.”
تجمّد عادل للحظة، مستوعباً حجم الخطر المحدق بالصغير، قبل أن يضمّ الطفل إلى صدره وينطلق بسيارته نحو بيته في الطويسة، حيث كانت زوجته نرجس تنتظره على العشاء.
وحين رأته يحمل الطفل، اتّسعت عيناها، ولم تسأله سوى سؤال واحد:
– “وين لكيته؟”
– “بالشارع… بيد الله وبيدنا هسه.”
أخذته نرجس بحنان امرأةٍ حرمت من الأمومة، وبدأت ترضعه من رضاعة كانت قد أبقتها من محاولاتٍ سابقة للإنجاب.
ولم يكن في بيت عادل أولادٌ يُنسبون إليه، بل أبناء إخوة وأقارب يزورونهم باستمرار، لذلك أصبح سيف هكذا سمياه ، منذ يومه الأول الابن الذي ملأ البيت حضورًا ومحبة.
كانت سميّة، أخت نرجس، امرأة قوية اللسان، متزوجة من رجل يدعى صبار العبادي، تزوجته من أجل مالِه لا من أجل قلبه.
لم تكن تحترمه، ولا يحترمها، أما ابنُه من زوجته الأولى، جاسم، فكان صبيًا ضائعًا، يملؤه الغرور وقلة الأدب.
كبر سيف بين احضان عادل ونرجس، يشعر بالأمان، كأن القدر أعاده إلى حضن لم يُكتب له أن يولد فيه.
في أحد مقاهي البصرة القريبة من الميناء، سمع غالب الشمري ، الخارج تواً من السجن في قضية اعتداء على ممتلكات ، من رجلٍ كان يعرف زوجته قصة غامضة:
أن امرأة تركت رضيعًا قبل سنوات أمام مركز شرطة العشار، وأن الضابط عادل اللامي هو من أخذه ورعاه.
ومن هنا ربط غالب بين تاريخ الواقعة وغياب زوجته المفاجئ، فعرف أن الطفل لا يمكن أن يكون إلا ابنه.
رفع غالب قضية ضمّ… وربحها.
وقد هزّ القرار عادل اللامي الذي لم يجد القانون في صفّه: "كم هو ساخر هذا القانون، الذي يُسلم طفلاً نقياً إلى سجلّ مجرم، فقط لأن الدم يسبق القلب."
عاد سيف إلى اسمه الحقيقي في الأوراق: كاظم.
لكن قلبه لم يعرف هذا الاسم يومًا.
ذهب سيف إلى بيت غالب مكرهًا، يجرّ ذكرياته وحنانه خلفه.
هناك، لم تكن التربية سوى قسوة باردة ومُهينة. كان غالب يراه عبئاً في البداية، ثم رأى فيه أداة للمال.
كان يناديه "كاظم" بكل جفاء، وهو اسم كان يشعر سيف وكأنه قفص صدري ضيّق يُخفي اسمه الحقيقي وشخصيته التي أحبها.
ومع الوقت، وجد كاظم نفسه هارباً من المنزل أكثر مما هو مقيم فيه. صار يتسكع حول الميناء، يجذب إلى نفسه ظلال المدينة.
بدأ بسرقة صغيرة دفعته إليها الحاجة تارة، ورغبة لا واعية في الانتقام من حياته الجديدة تارة أخرى. كان يرى في هذا الانحدار رفضاً قاسياً لواقع فُرض عليه.
التقى بالمهربين وتعلّم طرق الظلال، حتى صار اسمه، كاظم، مرادفاً للّص الماهر في أحياء الميناء.
التقى جاسم، ابن صبار العبادي، الذي كان يبحث عن المال السهل لتغطية ديونه، بكاظم في إحدى حانات البصرة.
تعارفا… ثم اتفقا على تنفيذ سرقات متقنة تستهدف بيوت التجار.
وكانت خطتهم الكبرى: سرقة دار التاجر احمد السعدون، التاجر المعروف في البصرة.
وصلت الأخبار إلى الضابط علي اللامي، ابن أخ عادل الذي يعمل في مكافحة الجريمة.
اجتمع علي بعمه عادل، وتقرر نصب كمينٍ في ليلة السرقة.
وفي تلك الليلة، وبين ظلال النخيل، اقترب كاظم وجاسم ورجال آخرون من الدار.
كان الظلام يحجب الحياء، لكن قلب كاظم كان يخفق بخوفٍ لا يعرف مصدره، خوفاً لم يأتِ من السرقة، بل من فكرة أنه يقف على الضفة المقابلة تماماً لحياة عادل ونرجس.
وفجأة ظهر غالب الشمري، والد كاظم، وهو يصيح بلهجة جشعة:
– “اليوم نصير أغنياء… واليمنعني أقتله!”
خرج عادل اللامي من خلف الساتر.
وعندما رآه غالب، صرخ بغضبٍ أعشى:
– “أنت! أنت الي سرقت ابني!”
رفع سلاحه باتجاه عادل…
لكن الرصاصة التي انطلقت… لم تكن من سلاح غالب.
كانت من سلاح كاظم.
سقط غالب أرضًا، والدهشة تشق وجهه كقناع هشّ.
نظر كاظم إلى جسد والده المتساقط، ثم إلى عادل الواقف بذهول.
قال كاظم بصوت مرتجف، والرصاصة لا تزال تدوي في أذنيه:
– “ما أسمح لأحد يؤذيك…
أنت أبويه الحقيقي… حتى لو الدم يكول غير.”
تنهد، ثم انهار كل شيء بداخله دفعة واحدة، ليس بسقوط جسدي بل بفقدان السيطرة على دموعه المتأخرة، كأنه يعود إلى الرضيع الذي وُجد قرب الحاوية.
قُبض على أفراد العصابة، وحوكم كاظم.
لكن عادل اللامي وقف يشهد لصالحه قائلاً، بعينين لا تريان فيه سوى "سيف":
“هذا ولد… ما انخلق مجرم.
الظروف هي الي سوّت بيه هيچ.
خلّوه يعيش مرة ثالثة… يمكن هالمرة ينجو.”
أُرسل كاظم إلى الإصلاحية التي كان عادل يديرها سابقًا.
وفي إحدى الأمسيات، زاره علي.
جلس معه على حافة السرير الحديدي، وقال له:
– “تره… كل صفحة سوداء إلها ظهر أبيض.
انت اختار بأي صفحة تريد تكمل.”
كانت تلك الجملة أول ضوء يدخل قلب كاظم منذ سنوات، بداية لولادة جديدة، باسم جديد يختاره هو هذه المرة.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. عمرو سلامة: احتفالية سينماد للأفلام القصيرة توضح أنها لها جم
.. أحمد مراد: «الست» رحلة شاقة استمرت 3 سنوات .. والبعض تساءل «
.. أون سيت - الفنانة جهاد حسام مع إنجي يحيى | السبت 13 ديسمبير
.. كلمة أخيرة - بمشاركة 150 راقصة من أعمار مختلفة.. احتفالية لر
.. أحمد رضوان: استحضرت شخصية «دسوقي» في فيلم «الست» عبر دراسة ح