الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
حين يتكلم الجمهور: من لوبون إلى شكسبير إلى يومنا
أكرم شلغين
2025 / 12 / 4قضايا ثقافية
وصلني فيديو تتحدث فيه سيدة عن ثقافة الجمهور وتستوحي تحليلاتها عن مناخنا السياسي من غوستاف لو بون، وهذا ذكرني بالكتاب نفسه، فأردت أن أستعيد معكم أصدقائي بعضا من أفكاره العامة. كان لوبون يرى أن الإنسان يتغير تماما حين يتحول من فرد مستقل إلى جزء من جمهور؛ إذ يبدأ شيء يشبه الذوبان في الجماعة، فيتراجع صوته الداخلي لصالح النبض الجمعي، وتظهر في سلوكه جرأة أو اندفاع لم يكن ليظهرهما منفردا. ويعتقد لوبون أن الجماهير كائن عاطفي أكثر منه عقلي، وأن الانفعال هو المحرك الأول لسلوكها، ولذلك تكون أكثر قابلية للتأثر بالصور والشعارات والرموز مما هي بالحقائق أو الاستدلالات الهادئة. ومن الظواهر التي ركز عليها مفهوم العدوى النفسية، حيث ينتقل الشعور أو الانفعال عبر الحشد بسرعة لا تحتاج إلى تفسير منطقي، وكأن الجمهور يمتلك عقلا واحدا لحظيا. ويشبه لوبون هذه الحالة بنوع من التنويم الجماعي المؤقت الذي يُضعف الإرادة الفردية ويزيد قابلية الأفراد للاستجابة، ولذلك تظهر أهمية القائد الذي يجيد مخاطبة العاطفة وتحويل الأفكار إلى صور بسيطة مؤثرة. ومع ذلك، كان لوبون يؤكد أن الجماهير يمكن أن تكون نبيلة أو مدمرة بالقدر نفسه؛ فهي قادرة على البطولة كما هي قادرة على الانفعال والعنف، وما يحدد الاتجاه ليس طبيعة أفرادها بقدر ما هو الظرف الجمعي الذي يلتقون فيه. ربما تغيرت الوسائط اليوم، من الساحات إلى الشاشات، لكن كثيرا مما قاله لوبون ما زال يفسّر هذه الظواهر ويضيء ذلك التحول الغامض من "أنا" إلى "نحن".
وما كتبه لوبون يجد مثالا بالغ الوضوح في أحد أشهر مشاهد شكسبير في مسرحية يوليوس قيصر. بعد اغتيال قيصر، يقف بروتس أمام الجمهور الروماني، متحدثا بثقة العالم بعدالة قضيته. يخاطب عقول الحاضرين، لا عواطفهم، مؤكدا أن قتله لقيصر لم يكن كراهية له، بل حبا لروما وخوفا من طغيان يهدد جمهوريتها. ينصت الجمهور إليه ويصدق منطقه، وتهدأ نفوسهم تدريجيا حتى يصلون إلى قناعة بأن بروتس رجل شريف، وأن فعله كان ضرورة سياسية. هنا نرى الجمهور في لحظة استعداد للتأثر، عقلانيّة ظاهرية لكنها قابلة للانقلاب بسهولة.
ثم يصل مارك أنتوني، في واحد من أذكى مشاهد البلاغة في الأدب العالمي. يبدأ حديثه بتواضع متعمد، مؤكدا أنه جاء ليدفن قيصر لا ليمدحه، وأنه لا ينوي معارضة بروتس "الشريف". لكنه يبدأ بلمسات صغيرة على وتر العاطفة: يذكر الناس بمآثر قيصر، بدموعه حين رأى فقراء روما، وبإنجازاته العسكرية، وبمواطن الخير التي تجاهلوها في لحظة غضب. ثم يستخدم تقنية تكرار الجملة الشهيرة: «وبروتس رجل شريف» بطريقة تجعلها تتحول تدريجيا من إقرار إلى سخرية، ومن سخرية إلى اتهام مبطن. هذه اللمسات تحرك الجمهور من منطقة التفكير إلى العاطفة، ومن الهدوء إلى الغليان. وما إن يعرض عليهم قميص قيصر المثقوب بالطعَنات، حتى تشتعل العدوى النفسية التي تحدث عنها لوبون، وينقلب الجمهور كليا على القتلة الذين قبل دقائق كانوا يصفقون لهم. يصبح الحشد كائنا جديدا، بذاكرة قصيرة وقلب سريع الاشتعال، ويخرج الناس في حالة هياج كامل يطالبون بالانتقام.
هذا المثال الشكسبيري لا يُظهر فقط مهارة الكاتب في تصوير الجمهور، بل يقدم تجسيدا دقيقًا لفكر لوبون: الجمهور يتحرك بالرموز والصور، يصدق الانفعال أكثر من الحجة، ويحتاج إلى قائد يتقن لغة العاطفة ليقوده. في دقائق معدودة، رأينا كيف تتبدل القناعة من النقيض إلى النقيض، وكيف يتحول الجمهور نفسه من مؤيد لبروتس إلى آلة غضب في يد مارك أنتوني. وما يهم هنا ليس أخلاق الجمهور، بل تلك القدرة الغامضة للتجمع البشري على أن يتنفس بعقل واحد، ويشعر بشعور واحد، ويتحرك باتجاه واحد بمجرد أن يجد الخطاب الذي يوقظ فيه تلك الطاقة الكامنة.
هكذا يلتقي شكسبير مع لوبون عبر قرون، ليقولا الشيء نفسه: إن الجماهير لا تُفهَم بالعقل وحده، بل بالعاطفة والخيال، وباللحظة التي يصبح فيها الفرد جزءا من موجة أكبر منه.
ومع هذه الأمثلة، من صفحات شكسبير إلى صفحات لوبون، يبدو أن الجماهير لم تتغير كثيرا. فما دامت تتنفس بالعاطفة قبل العقل، وتتحرك بدافع اللحظة لا بدافع المصلحة، فإنها كثيرا ما تنساق لما يشبه "نَفَس القطيع" الذي يجعلها تهتف بما يناقض أحيانا أبسط حقوقها، وتدافع عمّن يضرّها، وتعارض ما ينفعها. فالجمهور ــ كما يظهر في المشهدين الشكسبيريين وكما وصفه لوبون ــ قادر على أن ينسى ذاته حين ينغمس في موجة جماعية، فيتخذ مواقف لا تشبهه ولا تشبه مصالحه، بل تشبه تلك القوة الغامضة التي تجتذب الحشود حين يختلط الخيال بالغضب، والرمز بالعاطفة. وهكذا يتجدد المشهد في أكثر من مكان، ولا سيما في البيئات التي يضعف فيها الوعي الثقافي وتفقد فيها الكلمات معناها الحقيقي، فتتحول الشعارات إلى سحر سريع، والخطاب إلى أداة قيادة عمياء. لذلك قد يبدو شكسبير كاتب اليوم، ولوبون محللا لظواهر الساعة، لأن ما وصفاه من حركة الجماهير ليس تاريخا مضى، بل ظلا يرافقنا كلما ارتفعت الضوضاء وانخفضت البصيرة.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. نتنياهو: طالبنا بتفكيك البنية التحتية التي تتيح لإيران تخصيب
.. أظهر هوة آخذة بالاتساع.. مؤتمر ميونخ يختتم أعماله بعد جلسات
.. باحث في شؤون الأقصى للجزيرة: الاحتلال يمهد لكي تكون ساحات ال
.. ما مدى تقاطع دعوة الاتحاد الإفريقي لهدنة إنسانية في السودان
.. خارج الصندوق | سموتريتش يعلن -ثورة الاستيطان-.. والسلطة: ضم