الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


رعب التحول: قراءة مع هودجسون*

أكرم شلغين

2025 / 12 / 5
الادب والفن


منذ قرأتها بقيت معي مثل هاجس تقفز حينا إلى مقدمة رأسي في ليل، في عزلة في موقف غير متوقع، إنها قصة ويليام هوب هودجسون القصيرة قصيرة "الصوت في الليل" ، 1907 والتي تحكي عن بحار يعثر على قارب مهجور في وسط المحيط، وعلى متنه رجل مخفي الوجه يروي حكاية تقرف العقل: كيف أن فطرا غريبا، نما على جزيرة نائية، بدأ يلتهم جسد حبيبته، ثم جسده هو، ببطء بيولوجي لا رحمة فيه، ليس كوحش يمزق اللحم، بل ككائن ناعم، متماوج، يعيد تشكيل الهوية من الداخل، حتى لم يعد هناك "هو" أو "هي"، بل كتلة هلامية تنمو في صمت.
نعم، ولأعوام، ظلت هذه القصة في ذهني استعارة ذكية عن الخوف الذي يتجاوز الخوف من اللحظة إلى ما هو الخوف من الاندثار، من التحول غير المرئي، من أن تذوب في شيء لا يشبهك. كنت قرأتها كمحذر فلسفي: احذر أن تفقد شكلك الإنساني.
لكنني فهمت حقيقتها لا حين قرأتها، بل حين لمسَتْني.
لم أكن أتوقع أن يلمسني الليل. لا بالرياح، ولا بالموج، بل بشيءٍ ينتصب في الظلام كشبح صامت، مغطّى بجلد أخضر مخضر، لزج كأنه يتنفس. مددت يدي، فغاصت أطرافي في طبقة هلامية دافئة ببرودة غير طبيعية، كأنني ألمس كبد كائن نائم تحت جلد ميت. لم يكن الماء هو الذي جرني، بل هذا الملمس: ذلك الالتصاق الرطب الذي ينكر الحدود بيني وبينه، كأنه يقول: "لقد كنت بلاستيكا، والآن أنا كائن. وربما… سأكونك."
في تلك اللحظة، لم يعد هودجسون كاتبا من قرن غاب، بل. أصبح صوتا في رأسي، يهمس: "أرأيت؟ هذا ما كنت أقصده."
حينها، كنت وحيدا على الشاطئ، بعد منتصف الليل، حين قررت السباحة. البحر هادئ، والقمر معلق كعين رمادية تراقب . وفي الأفق، تلك الكرات البلاستيكية الضخمة، علامات أمان وضعتها الجهات المختصة لتحديد منطقة السباحة الآمنة. لكن الزمن فعل ما لا تفعله العواصف: غطتها الطحالب والأشنيات، حتى بدت كأجساد نصف غارقة، نصف نابتة.
لم تكن جميلة، ولا مقززة تماما. كانت غريب، بمعنى الكلمة الأنثروبولوجي الأعمق: شيء لا ينتمي، ولا يرفض الانتماء، بل يفرض نفسه كحقيقة جديدة. رحت أقترب، مدفوعا بالفضول أكثر من الشجاعة. ومن بعيد، سمعت قرقعة خافتة، صوت ارتطام الكرة بأخواتها، كعظام ميتة تحركها أشباح....لكن المفاجأة جاءت عند اللمس. لم تكن الكرة صلبة كما توقعت. بل غلفت بطبقة حيوية حية، هلامية، تغرز بها الأصابع ثم تلتصق كأنها تمسك بي. ثم، فجأة، لسعات صغيرة، ربما أسماك فضولية، أو كائنات مجهرية لا ترى بالعين، بدأت تقرص جلدي. شعرت أنني لست غريبا عن هذا الكائن الهجين… بل أنني مدعو للاندماج به.
في تلك اللحظة، انفتحت ذاكرتي الأدبية. لم أعد أفكر في "الصوت في الليل" كحكاية.
أصبحت أعيشها. الخوف لم يكن من الوحش الخارجي، بل من أن هذا الوحش ينمو من الداخل، من تفاعل البيئة، والزمن، والنفايات، والحياة التي ترفض أن تموت، فتعيد تدوير كل شيء، حتى الجسد.
ما الذي يخيفنا حقًا في أعمال هودجسون!؟
ليس الموت. بل التحول.
ليس حتى التحول إلى وحش، بل إلى شيء لا يمكن تسميته. شيء بلا وعي، بلا نية، بلا شكل، فقط نمو، استهلاك، تكرار عضوي أعمى.
مارثا نوسباوم وضحت أن الاشمئزاز ليس رد فعل على القذارة، بل على تهديد حدود الذات. نحن نعرف أنفسنا ككائنات متماسكة: جلد يفصل الداخل عن الخارج، عقل يسيطر على الجسد، شكل يحمينا من الفوضى. لكن ماذا يحدث حين يذوب هذا الجلد؟ حين يلتصق بك شيء لا تعرف إن كان حيا أم ميتا؟
الكرة البلاستيكية المغطاة بالطحالب هي كائن حدودي ( (liminal being لا صناعة بحتة، ولا طبيعة نقية. هي هجين يهدد الفصل الذي بناه الإنسان بين "نحن" و"العالم".
وهنا يكمن جوهر الرعب البيولوجي: ليس أن تقتل، بل أن تعاد كتابتك دون إذنك. أن تصبح وعاء للطبيعة، بعد أن كنت سيدها.
ضحية هودجسون، وكذلك أنا على ذلك الشاطئ، يخشى أن يختفي، لا كروح، بل كجسم. أن يذوب في كائن جماعي، صامت، لا يهمس إلا حين يلمسك.
والأمر الأكثر إثارة: هذا الكائن الهجين لم يأت من جزيرة نائية. جاء من نفاياتنا. وربما هذا هو مصدر رعبنا المعاصر: لا وحوش الظلام، بل تحولات الضوء. لا الغول الذي يأتي من بعيد، بل الهلام الذي ينمو في الظل هو صورتنا التي تركناها وراءنا، إنه الهلام الذي ينمو من قرب، على نفاياتنا، على حدودنا، مذكرا إيانا بأن الفصل بيننا وبين الطبيعة كان وهما جميلا وخطيرا.
.........................................................................
*وليام هوب هودجسون: (1877-1918) كاتب بريطاني مختص بأدب البحر والرعب الكوني، من أهم أعماله رواية أطراف الأرض وقصة الصوت في الليل المذكورة هنا.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. لجنة الاتصالات بالنواب تستقبل الفنان أحمد زاهر بطل مسلسل لعب


.. -مادلين-.. أول فيلم وثائقي بالذكاء الاصطناعي عن قصة التجربة




.. مسك الكلام | الممثل عمر ميقاتي | 2026-02-08


.. المخرج في شبكة الجزيرة الإعلامية أحمد ماهر: أردنا للمشاهد أن




.. طقوس الفنان عبدالمنعم مدبولي في شهر رمضان مختلفة.. ورفض ابنت