الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الفقر بين شح الموارد وسوء الأدارة قرأة في التجارب العالمية وواقع العراق المعاصر

رحيم حمادي غضبان
(Raheem Hamadey Ghadban)

2025 / 12 / 6
المجتمع المدني


الفقر والجوع وظهور الجماعات الهشّة في المجتمع ليست ظواهر ناتجة عن سبب واحد، بل هي محصلة معقدة لجملة من العوامل الاقتصادية والبيئية والسياسية التي تختلف من بلد لآخر، ومن المهم هنا التفريق بين الشعوب الفقيرة والدول الفقيرة لأن الخلط بينهما يؤدي إلى سوء فهم لطبيعة المشكلة وطرق معالجتها؛ فهناك شعوب تعيش في دول فقيرة الموارد أصلًا، لا تملك من الثروات الطبيعية ما يمكّنها من توفير الحد الأدنى من احتياجات الفرد من غذاء ودواء وتعليم وسكن وبنى تحتية، وهذا النوع من الفقر يُسمّى بالفقر البنيوي أو الهيكلي الذي تنشأ جذوره من شحّ الموارد الطبيعية وتعرض البلاد لمشكلات بيئية مستمرة كالجفاف والتصحر وارتفاع درجات الحرارة وقلة الأمطار، فمثلاً العديد من دول منطقة الساحل الأفريقي مثل النيجر وتشاد وبوركينا فاسو تعاني من ضعف شديد في الموارد المائية وقلّة الأراضي الخصبة، مما يجعل إنتاج الغذاء محدودًا ويجعل الدولة غير قادرة على توفير احتياجات السكان الأساسية رغم محاولات المجتمع الدولي دعمها، وكذلك بعض الدول كأفغانستان التي تعاني من تضاريس صعبة وبيئة قاسية أعاقت التنمية لعقود طويلة، فهنا يُعدّ الفقر نتيجة طبيعية لمحدودية الإمكانات الاقتصادية والبيئية، وليس بالضرورة نتيجة سوء إدارة أو فساد داخلي وحده وإن كان لذلك دوره. على الجانب الآخر، توجد دول ليست فقيرة من حيث الموارد بل تمتلك ثروات طبيعية كبيرة وقدرات اقتصادية واسعة، لكنها مع ذلك تضم أعدادًا هائلة من الفقراء بسبب سوء إدارة موارد الدولة وكثرة الفساد الإداري والسياسي وضعف التخطيط وغياب الرقابة، وفي هذه الحالة يكون الفقر ليس فقرًا للبلد بل فقرًا للشعب؛ فالدولة غنية لكنّ السكان فقراء، كما هو الحال في العديد من الدول التي تمتلك النفط أو الثروات المعدنية أو الموقع الاقتصادي المهم لكنها تعاني من فساد ممنهج مثل فنزويلا التي تملك واحدًا من أكبر احتياطات النفط في العالم ومع ذلك شهدت انهيارًا اقتصاديًا أدى إلى نقص الدواء والغذاء وهجرة الملايين، وكذلك نيجيريا التي تُعد من أغنى دول أفريقيا بالموارد الطبيعية وخاصة النفط ولكن نسبة الفقر فيها مرتفعة بسبب الفساد والصراعات وضعف توزيع الثروة.
وفي هذا السياق، يبرز العراق مثالًا واضحًا لدولة غنية بالموارد الطبيعية وخاصة النفط، وتمتلك موقعًا جغرافيًا مهمًا وأراضي زراعية واسعة وأيدي عاملة شابة، ومع ذلك يعيش جزء كبير من شعبه تحت خط الفقر أو قريبًا منه، والسبب الرئيسي لا يعود إلى فقر الدولة بل إلى سوء الإدارة والفساد المالي والإداري والانقسام السياسي الذي بدّد إمكانات البلد، إضافة إلى تدهور البنى التحتية، واعتماد الاقتصاد بشكل شبه كامل على النفط، وضعف القطاعين الزراعي والصناعي، وغياب الخطط التنموية طويلة الأمد، وتفشي المحاصصة التي عطّلت بناء مؤسسات قوية وقادرة على تقديم الخدمات؛ فالعراق اليوم ليس دولة فقيرة، بل هو شعب فقير في دولة غنية، وهذه المفارقة تُعدّ من أخطر المشكلات التي تواجهه، لأنها تجعل حلّ الفقر مرتبطًا بالإصلاح السياسي ومحاربة الفساد وتفعيل الإدارة الرشيدة أكثر من ارتباطه بزيادة الموارد الاقتصادية التي هي موجودة أصلًا ولكنها غير مستغلة بالشكل الأمثل. وهكذا يتضح أن الفقر في العالم ينقسم إلى نمطين رئيسيين: فقر ناتج عن شحّ الموارد وهو ما تعانيه الشعوب في الدول الفقيرة، وفقر ناتج عن سوء الحوكمة وهو ما تعانيه الشعوب في الدول الغنية بالموارد، ويقع العراق للأسف في الفئة الثانية، مما يجعل التحديات التي يواجهها ليست تحديات اقتصادية بقدر ما هي تحديات سياسية وإدارية تتطلب إصلاحًا عميقًا وجذريًا لإعادة توجيه ثروات البلد نحو خدمة المواطنين وتحقيق تنمية حقيقية ومستدامة








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. نادي الأسير الفلسطيني: عسكرة السجون الإسرائيلية تهدد حياة آل


.. هل يواجه نتنياهو خطر الاعتقال في أميركا؟ | #ستوديو_وان_مع_فض




.. اعتقالات وهدم منازل وتشريد عائلة خلال تصعيد إسرائيلي بالضفة


.. تصعيد إسرائيلي في الضفة.. اعتقالات وإخطارات هدم وإحراق مسجد




.. أكاديمي سوداني: نعيش تجارة بملف اللاجئين في السودان