الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


سر الحرز: الورقتين السابعة و الثامنة

سعاد الراعي
كاتبة وناقدة

(Suad Alraee)

2025 / 12 / 6
الادب والفن


تابع لرواية الحرز

الورقة السابعة

كأن البلاد قد انفجرت من داخلها، كجرحٍ ظلّ يخفي نزفه طويلًا ثم انفلت فجأة.
خرج الناس إلى الشوارع يصرخون بالعدالة، يطالبون بإطلاق المسجونين، يهتفون ضد القهر، حتى بدا أن الهواء نفسه صار يحتجّ.
وما هي إلا أيام حتى سقطت جدران النظام مثل غبار تهاوى تحت المطر.
انتشرت الفوضى كحريقٍ يتغذى من اليأس، تتقاذفها عصاباتٌ، وولاءاتٌ جديدة، وكلٌّ يمدّ يده ليقتطع نصيبه من الخراب.
في هذا الانهيار تغيّر عمي…
لا، بل تكشّف.
كانت لحيته التي نبتت فجأة لا تشبه التديّن، بل تشبه ستارًا يُخفي شيئًا أعمق من الدناءة، وأشدّ ظلمة من الخسّة.
صار يتجوّل في الحي وخلفه رجال مسلّحون، يرفعون شعارات الدين على أكتافٍ تلطخت بالغنائم.
يتحدثون عن الشرع، شرع الله، كما يتحدث اللص عن مفاتيحه.
وعندما يعودون إلى البيت، كان المكان يضيق بأنفاسهم، بأصواتهم الثقيلة، بضحكاتهم التي تجرح جدران الليل.
تحوّل بيتنا إلى وكر، لا يكاد يخلو من السلاح والرجال.
أمّي
وأنا
نخدمهم كأننا غبارٌ في طريقهم.
العيون "آه تلك العيون" لم تكن تنظر، بل تنهش.
رغم حجابي، رغم محاولتي الانكماش في ظلٍّ أصغر من جسدي، كانوا يرونني.
يرون اللحم الصغير الذي صار عبئًا عليّ، يرون خوفًا يحلو لهم أن يروه لأن الخائف يسهل امتلاكه.
لم يكن عمّي يومًا رجلًا رحيمًا، لكنّ البلاد حين احترقت، احترقت معه ذرة إنسانيته.
كان قد هتك طفولتي وأنا في العاشرة، سرق براءتي ثم أخفاها كما يُخفى جرمٌ مُحكم الإغلاق.
كنت أظنه يومها ذئبًا واحدًا منفردًا، لا يتكاثر، لكني كَبُرت لأكتشف أن الذئاب تتوالد حين ترى الفوضى وتمعن في الطراد والاغارة، وأن الوحش الذي مزق جسدي في صغري صار اليوم قائدًا لقطيعٍ جائع.
وما عاد يخفي رغبته في بيعي لهم، واحدًا تلو الاخر، باسم "الزواج" و"الشرع"، كفضيلةٍ تُهدى، لا كطفلةٍ تُذبح.
كنت في الرابعة عشرة، لكنني أشعر أن عمري صار ضعف ذلك.
كأن السنوات التي سُرقت مني أثقلت ظهري قبل أن يشتدّ جسدي الذي بدأ يتغير، يتفتح على أنوثةٍ لم أطلبها، ولم تحتملها روحي، بل صارت نذيرًا لما ينتظرني.
وكنت أخشى الليل أكثر من النهار، لأن الليل يحرر وجوههم من الأقنعة.
يضحكون كثيرًا حين يذكرون “التزويج”، يتهامسون عن “الليلة المباركة”، كأن الشرّ حين يُعطى اسمًا دينيًا يصبح نعمة.
في تلك الليالي، حين يدوّي الرصاص في الخارج، كنت أشعر أن الحرب كلها تتواطأ علينا. البيت يهتز، الشوارع تعوي، لكنّ خوفي الحقيقي لم يكن مما يجري للبلاد، بل مما يجري لجسدي، لروحي التي تختنق كلما ورد اسم “الزواج” على لسان عمي.
كنت أعرف أنه لا يقصد بي إلا الصفقة، إلا البيع، إلا أن يُسَلّمني لأول رجل من عصابته يرفع يده.
كنت أعرف أنني سأُعرى من كل شيء، من أمي، من نفسي.
أمّي
كانت ترى وتخاف،
لكنها عاجزة…
مكسورة..
تنظر إليّ أحيانًا وكأنها تعتذر عن الحياة كلها، ثم تخفض عينيها قبل أن يفضحها البكاء.
كنا نغرق معًا، لكنها كانت تخشى أن تسبح، وأنا كنت أخشى أن أموت دون محاولة.

الورقة الثامنة

وفي إحدى الليالي التي انشقّ فيها الظلام عن أصوات اشتباكٍ قريب، عاد عمي متجهمًا، غارقًا برائحة البارود والتعب.
دخل غرفته ثم ناداني بصوتٍ ملغوم.
كان صوته وحده يكفي ليعيد إليّ كل الكوابيس التي سجنتني منذ العاشرة.
ترددت لحظة عند الباب.
تساءلت:
ماذا بقي لي بعد أن سفك طفولتي؟
ماذا يمكن أن يأخذ أكثر؟
دخلت.
كان يجلس في عتمةٍ لا يضيئها إلا خيط من نور متعب.
لم يكن ينظر إليّ كطفلة، بل كشيءٍ يُسوَّق. قال لي بهدوءٍ شرس:
"غدًا… سيأتي من سيتزوجك.
شرع الله، ولا اعتراض."
شرع الله…
كم من الجرائم تُرتكب حين يتوارى الله ويُترك الشرع بين أيدي الوحوش.
تجمدت.
شعرت كأن الأرض انكمشت حتى غدت حافة هاوية.
وعندما اقترب مني، خطوة بعد خطوة، نهض شيء في داخلي، شيء لم أعرفه من قبل. ربما هو الظل الأخير من إنسانيتي، ربما هو ما تبقى من طفلةٍ لم تمت بعد رغم كل شيء.
تراجعت.
قال غاضبًا:
"لا ترفعي عينيك عليّ هكذا والاّ!"
لكنّني
رفعت
عيني.
ثم صرخت…
صرخة خرجت من عمقٍ لم ألمسه أبدًا من قبل.
وركضت...
وركضت نحو حضن امي...
ركضت كأن الأرض تشتعل تحت قدمي، كأن صرختي كانت أول نسمة حريةٍ عرفتها.
لم أنتصر بعد.
ما زلت في بيتٍ تحكمه البنادق، وتديره الذئاب.
لكني في تلك الليلة أدركت أمرًا واحدًا، يكفي لأن يُبقيني واقفة:
إن الروح، مهما ضُيّقت عليها الجدران، تظل قادرة على أن تتمرد…
وأن تحيا...
***
تابع








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. كلمة أخيرة - الفنان أحمد جلال عبد القوي مات بنوع نادر من الس


.. هاني شنودة تنبأ لي إني هكون فنانة كبيرة.. الفنانة سيمون تحكي




.. غياب تام للمطربين فى جنازة الموسيقار هانى شنودة والشاعرة نور


.. لحظة تشييع جثمان الفنان أحمد عبد القوي وسط حالة من الحزن




.. انتظرواالمخرج أحمد خالد أمين في حلقة خاصة من برنامج #ON_Set