الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


هل فقدت الجزائر ارتباطها العربي بسبب موقفها الداعم لفلسطين والمقاومة؟ قراءة فلسفية–سياسية في معنى الانتماء وحدود العزلة

يحي عباسي بن أحمد
كاتب

(Abassi Yahia Ben Ahmed)

2025 / 12 / 6
القضية الفلسطينية


مقدمة
يُطرح منذ سنوات، وبحدة متزايدة، سؤالٌ إشكالي في الفضاء الإعلامي العربي: هل أدّى الموقف الجزائري الثابت من القضية الفلسطينية إلى عزل الجزائر عن محيطها العربي؟ وهل دفعت الجزائر ثمن “الوفاء لفلسطين” على حساب مصالحها العربية؟
هذا السؤال لا يُفهم سياسيًا فقط، بل هو سؤال فلسفي في معنى الانتماء، وسؤال حضاري في تعريف العروبة، وسؤال أخلاقي في حدود البراغماتية السياسية.
أولاً: هل العروبة موقف سياسي أم رابطة حضارية؟
العروبة، في أصلها العميق، ليست تحالفًا سياسيًا ظرفيًا، بل هي:
رابطة لغة.
رابطة تاريخ.
رابطة ذاكرة مشتركة.
ورابطة مصير حضاري.
لكن ما حدث في العقود الأخيرة هو تحويل العروبة إلى اصطفاف سياسي متغير، يخضع للمصالح والتحالفات الدولية أكثر مما يخضع لقيمة الانتماء ذاته. وهنا وقع الانفصال بين:
العروبة كهوية
والعروبة كسياسة
الجزائر انتمت للأولى، بينما انزلقت دول كثيرة إلى الثانية.
“الدولة التي تفصل هويتها عن مصالحها، تخسر الاثنين معًا” (مالك بن نبي، شروط النهضة).
ثانيًا: كيف تحوّل دعم فلسطين من “ثابت عربي” إلى “خيار مُحرِج”؟
حتى سبعينيات القرن الماضي، كان دعم فلسطين:
شرطًا ضمنيًا للانتماء العربي.
ومعيار الشرعية الأخلاقية لأي نظام.
لكن بعد:
اتفاقيات كامب ديفيد، أوسلو، أبراهام، تحوّل دعم فلسطين من قاعدة إجماع إلى موقف يُحسب ضمن “أعباء السياسة”.
هنا لم تغيّر الجزائر موقفها، لكن:
غيرها هو الذي غيّر موقع فلسطين في سلم أولوياته.
وبالتالي فالعزلة – إن وُجدت – لم تكن نتيجة خروج الجزائر عن العرب، بل نتيجة خروج جزء من النظام العربي عن فلسطين.
ثالثًا: الجزائر وفلسفة الوفاء التاريخي
الجزائر لا ترى فلسطين كقضية خارجية فقط، بل:
تراها مرآة لتجربتها الكولونيالية.
وتراها استمرارًا لمعركة التحرر نفسها.
من منظور فلسفي:
الجزائر لا تدعم فلسطين بوصفها “تحالفًا”، بل بوصفها:
امتدادًا لهويتها التاريخية بوصفها ثورة تحررية.
ولهذا لا يمكن للجزائر أن تتخلى عن فلسطين دون أن تتخلى عن ذاتها الرمزية.
“الثورة التي تنسى ثورات غيرها، تموت من الداخل” (فرانز فانون – معذبو الأرض).
رابعًا: هل خسرت الجزائر محيطها العربي فعلاً؟
إذا قسنا الأمر رسميًا:
نعم، هناك فتور دبلوماسي مع بعض الأنظمة.
نعم، هناك تحفّظات خليجية.
نعم، هناك ضغوط ضمنية.
لكن إذا قسناه حضاريًا وشعبيًا:
الجزائر لم تفقد مكانتها في الوجدان العربي.
بل كثيرًا ما تُستدعى بوصفها “آخر صوت صريح”.
المفارقة هي:
أن الجزائر قد تخسر سياسيًا مع أنظمة، لكنها تكسب رمزيًا مع الشعوب.
وهنا يظهر الفرق بين:
العزلة الجغرافية
والعزلة القيمية
الجزائر قد تُهمَّش سياسيًا، لكنها لم تُعزل أخلاقيًا.
خامسًا: من خسر من؟ الجزائر أم النظام العربي؟
إذا تأملنا المشهد بعمق: من الطبيعي أن يخسر من يرفض السير في قطيع التطبيع.
لكن الأعمق: أن القطيع نفسه خسر بوصلته.
السؤال الحقيقي ليس:
هل دفعت الجزائر ثمن دعم فلسطين؟ بل: من الذي دفع ثمن التخلي عن فلسطين؟
والجواب واضح:
فقدان المعنى.
انهيار مفهوم العدو.
تآكل فكرة الأمة.
وتحوّل السياسة إلى إدارة مصالح بلا روح.
خاتمة
الجزائر لم تفقد ارتباطها العربي بسبب فلسطين، بل: حافظت على تعريفٍ قديم للعروبة، في زمن أعادت فيه أنظمة كثيرة تعريف العروبة وفق بوصلات أمريكية–صهيونية.
إن كانت الجزائر اليوم تبدو “خارج السرب”، فذلك لأن السرب نفسه غيّر وجهته، لا لأن الجزائر انحرفت.
وفلسطين هنا ليست سبب العزلة، بل كاشف العزلة.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. غزة: مقتل 10 أشخاص في قصف إسرائيلي بينهم قيادي بارز في كتائب


.. كأس الأمم الأفريقية: بعد الفوز.. هكذا احتفل لاعبو المغرب خلف




.. تهديدات ترامب بضم غرينلاند: رئيسة وزراء الدانمارك تستقبل وفد


.. ترامب يهدد بتفعيل -قانون التمرد- إثر احتجاجات في مينيابوليس




.. رئيس الدائرة القطبية الشمالية: القطب الشمالي حلبة للسباق بين