الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
ماذا بعد يا عراق… حين تصبح المهازل ميزان الدولة؟
سهام يوسف علي
2025 / 12 / 7الادارة و الاقتصاد
لم يعد العراق يعيش مرحلة “تخبط إداري” أو “ارتباك سياسي” كما اعتدنا تسميته في سنوات سابقة. ما يجري اليوم أبعد من الخطأ وأخطر من الإرباك؛ إنه اهتزاز شامل في مفهوم الدولة نفسها، وتآكل بطيء في بنيتها العميقة، وتحوّل تدريجي للمؤسسات إلى هياكل خاوية تُدار بردود الأفعال لا بمنطق الإدارة.
لقد بلغ الانحدار حداً لم يعد المواطن بحاجة إلى عدسة تحليل ولا إلى قراءة معمقة كي يدركه؛ يكفي أن يفتح عينيه صباحاً ليجد دولة تتهاوى أمامه، لا بصوت الانفجارات ولا بوقع الانقلابات، بل بهشاشة عقلية داخلية تشقّ أسسها شقّاً.
اليوم، يقف العراق على عتبة سؤال ، لفضح الواقع: “ماذا بعد؟”
أي مهزلة بقيت لم تُعرض؟ وأي فشل بقي لم يُجرَّب؟
ماذا بعد… حين تنشر الدولة قراراً سيادياً في جريدتها الرسمية، ثم تتراجع عنه باعتذارات مرتبكة تشبه رسائل المراهقين؟
فالدولة التي تنشر قراراً سيادياً في الوقائع العراقية ثم تتراجع عنه باعتذار مرتبك، لا تتصرف كدولة. الجريدة الرسمية، التي كانت على مدى قرن كامل حصناً للوثيقة، تُختزل اليوم إلى ورقة قابلة للمحو. القرار الذي يُنشر ثم يُسحب بهذا الشكل لا يسقط القرار وحده، بل يسقط مبدأ الدولة نفسه ، مبدأ استقرار النص، قدسية الوثيقة، وحرمة التشريع.
ماذا بعد… حين يصبح رئيس الجمهورية “آخر من يعلم” بقرار منشور منذ أسبوعين؟
رئيس الجمهورية يكتشف قراراً سيادياً منشوراً في “الوقائع العراقية” من خلال فيسبوك. أي دولة هذه التي تصل قراراتها إلى وسائل التواصل قبل أن تصل إلى رأس الهرم فيها؟ أي مؤسسات هذه التي لا تعرف ما يُنشر باسمها؟ وأي رسالة يرسلها هذا الارتباك إلى الداخل والخارج سوى أن العراق دولة تُدار بلا مركز ضبط، وأن رأس السلطة نفسه يتلقى معلوماته كما يتلقاها المواطن العادي؟
وماذا بعد، حين تخطئ وزيرة المالية نفسها بواحد ونصف ترليون دينار من أموال الرواتب؟
إذا كانت أعلى سلطة مالية في الدولة لا تعرف ما تُنفقه شهرياً، فكيف ستعرف ما تحتاجه ميزانية عام كامل؟أو ما يستنزفه الفساد؟أو ما يتبخر من الإيرادات؟ أو ما يُهدر في دولة تتسرب فيها الأرقام كما يتسرب الماء من يد طفل؟
ثم… ماذا بعد حين تتحول الوثائق السرية إلى محتوى “يُسرّب” قبل أن يصل إلى مكاتب المسؤولين؟
انعدام الانضباط ليس المشكلة هنا؛ المشكلة أن سرّ الدولة، وهيبتها، وأمنها المؤسسي، أصبحت مواداً للعرض العام، وأن مؤسساتها تشبه غرفة بلا جدران ولا أبواب، يمكن لأي شخص أن يدخلها ويخرج منها ويسرّب ما يشاء.
اليوم… وبعد كل المهازل، يقف العراق مثل شيخٍ حكيمٍ ضاق صدره، ويرفع صوته قائلاً:
كفاكم… ماذا بعد؟ ماذا تبقّى من الدولة ليُنهدم؟
فالقرار يهتز، والأرقام تتبخر، والثقة تنهار، والوثائق تُسخّف، والمؤسسات تتصرف وكأنها كيانات متفرقة لا رابط بينها. إن ما يحدث اليوم ليس أزمة خدمات ولا خلافات سياسية ولا حتى صراع نفوذ؛ إنه تفكك منظومة الدولة من الداخل، وابتعادها التدريجي عن معناها الأصلي: الضبط، التنظيم، المساءلة، استقرار النص، وحماية الهيبة العامة.
حين ننظر لما جرى في العراق خلال أيام قليلة ،خطأ منشور في الجريدة الرسمية، تراجع رئاسي، تباين تصريحات وزارية، وفارق 1.5 ترليون دينار بين تصريح وزيرة المالية وكشف الوزارة،نجد الفارق بيننا وبين الدول الناجحة صارخاً.
في ألمانيا، أي خطأ في الأرقام الرسمية يكفي لإطلاق تحقيق برلماني وإجبار المسؤول على تقديم اعتذار رسمي، كما حدث في وزارة المالية عام 2018، حيث استقال أحد كبار المسؤولين بسبب خطأ في بيان الضرائب، وتم نشر الإجراءات التصحيحية بشكل علني أمام البرلمان والجمهور.
في بريطانيا، تسريب مستندات مالية سرية يُعامل كخرق للأمن الوطني، ويتم التحقيق فوراً ومحاسبة أي مسؤول تورط في تسريب المعلومات، كما حدث في 2020 حين عالجت الحكومة تسريب بيانات مالية حساسة من خلال مكتب التحقيقات الرسمي وبيان برلماني واضح.
في اليابان وكوريا الجنوبية، المسؤول الذي يخطئ في تقدير ميزانية بخطأ حسابي،يُجبر على تقديم اعتذار رسمي أمام البرلمان، وفي بعض الحالات يتقدم بالاستقالة، احتراماً لمبدأ أن الرقم الرسمي جزء من مصداقية الدولة، وأن الأخطاء المالية الكبرى لا تمر مرور الكرام.
السؤال الأخير: ماذا بعد؟
بعد أن اهتزت الوقائع العراقية…
وبعد أن تبرأت الرئاسة من قرار حكومي…
وبعد أن صارت الوثيقة السرية منشوراً عاماً…
وبعد أن أصبحت الأرقام لعبة لغوية…
ماذا تبقى من هيبة الدولة؟ إن المأساة ليست في الخطأ ذاته ،بل في أن البلد لم يعد يمتلك مؤسسات قادرة على تصحيح الخطأ أو محاسبة فاعله أو منع تكراره.
أي مرحلة نصل إليها بعد أن صار العبث قاعدة… والدقة استثناء… والقرار مزاجاً… والرقم لغزاً؟
ومتى ينتهي زمن المهزلة، ويبدأ زمن الدولة؟
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. الخامسة | ترمب يعيد حصار إيران.. واسترداد كميات ضخمة من الذه
.. عضو مجلس إدارة غرفة تجارة وصناعة قطر: الأمير الوالد أسس جيلا
.. الميزانية، اقتصاد الحرب.. ما أبرز ما قاله الرئيس ماكرون في خ
.. 375 كيلوغرامًا من الذهب تعود إلى خزائن العراق.. تطور صادم في
.. من الطاقة إلى التنمية.. كيف أعاد الأمير الوالد رسم الاقتصاد