الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
الخديعة الثانية!
ياسر قطيشات
باحث وخبير في فلسفة السياسة والعلاقات الدولية والدبلوماسية
(Yasser Qtaishat)
2025 / 12 / 7
السياسة والعلاقات الدولية
يشكلُّ قرار مجلس الأمن الأخير المتعلق بوقف إطلاق النار في غزة واعتماد "الخطة الشاملة" الأمريكية ذات البنود العشرين منعطفاً سياسياً مهماً، ليس لأنه يقدّم حلًّا جذريًا للصراع، بل لأنه يعيد صياغة بيئة ما بعد الحرب عبر مؤسسات جديدة مثل "مجلس السلام" و"قوة استقرار دولية" مع صلاحيات واسعة تتجاوز الإغاثة الإنسانية إلى الإدارة الأمنية والإعمار والرقابة على الحركة والحدود.
أمام هذا المشهد، يثور سؤال مركزي: هل يمهد القرار لسلام حقيقي أم لوصاية دولية طويلة تُعيد استنساخ تجربة أوسلو بصيغة أشد صلابة وارتباطاً بالمصالح الأميركية والإسرائيلية؟
لغة القرار فضفاضة، مفتوحة للتأويل، وتربط أي أفق سياسي، بما في ذلك قيام دولة فلسطينية أو تقدم في مسار تقرير المصير، بشرط "استكمال إصلاح السلطة الفلسطينية"! هذا الربط يعيد إنتاج الفلسفة نفسها التي قادت إلى فشل التسوية منذ 1993، حيث طغت الشروط الأمنية والإصلاحات الإدارية على مضمون الحقوق السياسية.
استحداث "مجلس السلام" كهيئة انتقالية بصلاحيات دولية، وقدرته على إنشاء كيانات تنفيذية لإدارة غزة، يعدّ مؤشراً واضحاً على نية فرض نموذج إدارة خارجي يُهمّش تمثيل الفصائل الفلسطينية وتنوع المشهد السياسي الفلسطيني، كما أن وجود "قوة استقرار دولية" مخوّلة بنزع السلاح، وتدريب الشرطة، وحماية الممرات الإنسانية، يصنع واقعاً أمنياً هجيناً يعلو على سلطة أي طرف فلسطيني خلال الأعوام المقبلة.
لماذا يخشى الفلسطينيون "الخديعة الثانية"؟
ترتكز المخاوف الفلسطينية على ثلاثة عوامل رئيسية:
انعدام الثقة بالتجربة السابقة: سنوات "السلام المزعوم" منذ مدريد وأوسلو لم تجلب سوى توسع الاستيطان، وتجزئة الجغرافيا الفلسطينية، وتدهور الشرعية السياسية الداخلية، واليوم تُطرح خطة جديدة تتشابه في كثير من عناصرها مع تلك التي لم تُنفّذ أو استُخدمت لتبرير سياسات الاحتلال!
غياب ضمانات حقيقية: لا يوجد في القرار إلزام واضح لإسرائيل بوقف الاستيطان، أو التراجع عن سياسات الضم الزاحف، أو احترام الحقوق السياسية الأساسية، كل الالتزامات الفلسطينية واضحة ومشددة، بينما الالتزامات الإسرائيلية مرهونة "بتقدم السيطرة" و"التوافق الأمني"!
إمكانية استغلال الوضع لفرض أمر واقع: مع تراجع السلطة الفلسطينية وفقدانها الشرعية، ومع الدمار الواسع في غزة، قد يتحول التدخل الدولي إلى غطاء لإعادة هندسة المشهد السياسي الفلسطيني وإضعاف القوى الفاعلة، تمهيدًا لمرحلة "استقرار" بلا سيادة ولا استقلال.. وبرعاية عربية!
ما هي الخطوات المتوقعة؟
برأينا، مع تفاؤل حذر، سيجري تثبيت وقف إطلاق النار عبر القوة الدولية، من طرف واحد (الفلسطينيين) وفرض ترتيبات أمنية صارمة، وربما ستتقلص قدرة الفصائل على الحركة، وقد تبرز إدارة انتقالية تُدار فعليًا من "مجلس السلام" بدعم أميركي وأوروبيو عربي.
ستضغط الولايات المتحدة ودول عربية لإعادة بناء السلطة الفلسطينية أو استبدال قيادتها، وربما إدماج شخصيات جديدة غير محسوبة على الفصائل التقليدية، والهدف سيكون تشكيل "سلطة قابلة للتعامل" مع الخطة الدولية الجديدة، حتى إن افتقدت قاعدة شعبية واسعة.
قد تُفتح قنوات تفاوض حول "طريق إلى الدولة" دون جدول زمني أو التزامات واضحة، مع الاعتماد على نجاح الإصلاحات والإعمار كمؤشر للتقدم السياسي، هذه المرحلة -إن وصلها أحدٌ- ستكون الأكثر غموضاً، لأنها تسمح بالمماطلة الإسرائيلية أو التراجع بسهولة.
إذا استمرت الأمور وفق المسار المخطط له، سيُترك الفلسطينيون أمام خيارين:
إما سلطة فلسطينية "مجددة" منزوعة القوة، تعتمد كلياً على الدعم الدولي، وتدير مناطق مقطعة بلا سيادة. أو انهيار العملية وعودة الفوضى بسبب تناقضات الواقع على الأرض، خصوصاً إذا واصلت إسرائيل توسيع الاستيطان ورفض الدولة الفلسطينية.
ورغم عدم ورود أي نص يشير مباشرة إلى التهجير، إلا أن غياب ضمانات صارمة، وتوسيع دور القوة الدولية، وربط إعمار غزة بقضايا أمنية، كلها عوامل قد تخلق بيئة تسمح بالضغط على السكان أو دفعهم نحو الهجرة القسرية أو الطوعية غير المباشرة. كما أن استمرار الانتهاكات في الضفة قد يفتح الباب أمام سيناريوهات مشابهة، خاصة في ظل حكومة إسرائيلية ترفض الحل السياسي أصلًا.
بين الممكن والمخيف.. قرار مجلس الأمن ليس مجرد وثيقة إدارية؛ بل بداية هندسة سياسية جديدة للصراع، يمكن أن يشكل إطاراً لإنهاء الحرب وتخفيف المأساة الإنسانية، لكنه قد يتحول، إذا لم تتوفر ضمانات حقيقية، إلى خديعة ثانية تعيد الفلسطينيين إلى مسار "سلام بلا دولة" و"استقرار بلا سيادة"، وتمهّد لاستكمال المشروع الاستيطاني في الضفة وإعادة تشكيل غزة وفق شروط خارجية.
المستقبل مرهون بثلاثة عوامل: وحدة الموقف الفلسطيني، صلابة الضغط الدولي وحماية القانون الدولي، وقدرة الشعوب على منع تحويل المساعدات وإعادة الإعمار إلى أدوات سياسية لفرض واقع دائم.. بدون هذه العوامل، سيبدو القرار مقدمة لتسوية تُعيد إنتاج الأزمة بدل حلّها.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. بعد 15 عاما على كارثة فوكوشيما في اليابان.. أكبر محطة نووية
.. حروب المستقبل.. هل ستُخاض بواسطة روبوتات بدلا من البشر؟ • فر
.. الاتحاد الأوروبي يلوّح بأدوات غير مسبوقة لمواجهة الإكراه الت
.. الجيش السوداني يدرس مقترحا سعوديا أمريكيا جديدا لهدنة إنساني
.. رئيس الوزراء الكندي: التظام الدولي القائم على القواعد انتهى