الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الصغير يعلم الكبير - تحول المعرفة يهز أركان المجتمع العربي

عادل الدول
كاتب

(Adil Al Dool)

2025 / 12 / 7
قضايا ثقافية


نحن نعيش في قلب العاصفة الرقمية التي تجتاح عالمنا، ومنطقتنا العربية تشهد تحولاً جوهرياً لم يعد خافياً على أحد. لقد انقلب هرم المعرفة رأساً على عقب، فلم يعد الأبُ معلماً ولا الجدُّ مرجعاً، بل وجد الكبير نفسه فجأة في منطقة ظلٍ قسرية، بينما يتقدم الصغير بثقة ليأخذ بيده عبر متاهات العصر الجديد. هذا المشهد ليس مجرد تغيير في طريقة نقل المعلومة، بل هو زلزال يهز أركان السلطة بأشكالها كافة: في البيت، في المدرسة، في مؤسسة العمل، وحتى في سدة الحكم.

تتسع الهوة بين جيلٍ تشكّل وعيه على مهل، بين دفتي كتاب وخطابات مسموعة، وجيلٍ يتلقف المعرفة في فيضٍ رقميٍ عابرٍ للحدود، سريعٍ كالبرق. فالأصغر اليوم على تماسٍ مباشر مع منصات المعرفة العالمية، مع مناهل الفكر المتنوعة، وأدوات التغيير الفعالة. لقد تحولت الهواتف الذكية في أيديهم إلى مكتبات ضخمة ومختبرات اجتماعية وساحات للخطاب العالمي، بينما يحمل الأكبر في جيبه نفس الجهاز لكنه لا يرى فيه سوى آلةٍ للاتصال التقليدي. هذا الفارق في العلاقة مع الأداة هو جوهر الفارق في القدرة على الفهم والتأثير.

في الماضي، كانت المعرفة تتراكم كالرواسب، طبقةً فوق طبقة، مع تقدم العمر. وكانت الخبرة، بكل ما تحمله من حكمة ودراية، هي العملة الصعبة التي تمنح الشرعية للكبير في قيادة الأصغر. أما اليوم، فقد تحولت المعرفة إلى نهرٍ جارٍ، سريع التدفق، متغير المسار. والقدرة على السباحة في هذا النهر، لا مجرد الوقوف على ضفته، هي ما يمنح القيادة. فأصبح الصغير، بفضل مرونته الفكرية وقدرته على استيعاب الجديد، هو السبّاح الأكثر مهارة، بينما يقف الكبير حائراً على الشاطئ، يخشى الغرق إن هو اقتحم المياه المتلاطمة.

تداعيات هذا التحول في مجتمعاتنا العربية، التي تعاني أساساً من هزات سياسية واجتماعية عميقة، هي بمثابة صدمة مضاعفة. فالأسرة، التي كانت حصن السلطة الأبوية المتوارث، تترنح. يرى الأب سلطته وهي تذوي لأن ابنه يعرف أكثر منه عن آلية عمل العالم، عن الفرص الجديدة، عن الأدوات التي تحرك الاقتصاد الحديث. يتوارى منطق الطاعة العمياء ليحل محله حوار الصدام أحياناً، أو الصمت المشحون بالاستعلاء الخفي أحياناً أخرى. لم يعد ممكناً قول "افعل هذا لأني أدرى منك"، عندما يكون الدليل على عكس ذلك متاحاً للجميع بنقرة واحدة.

أما على المستوى المجتمعي والسياسي، فالحدث أخطر. لقد سقطت آخر ستائر القداسة التي كانت تحجب النقاش عن مؤسسات الحكم والسلطة. فجيل "اليوتيوب" و"تويتر" و"التيك توك" لا يستهلك الخطاب، بل يحلله، ويقارنه، وينشره، ويسخره للسخرية أحياناً. لقد أصبحت الشفافية مطلباً حتمياً، والكفاءة معياراً لا مهرب منه. لم تعد الكاريزما الخطابية وحدها تكفي، فالشباب يريدون رؤية النتائج ملموسة على أرض الواقع، ويقيسون أداء حكوماتهم بمقاييس عالمية يطلعون عليها كل يوم. وأصبحت أدوات فضح الفساد أو الفشل الإداري في متناول أي شابٍ يملك هاتفاً ذكياً وشجاعةً لنشر ما يراه.

هذا الصدام بين سرعة الشباب الرقمية وبطء المؤسسات البيروقراطية يخلق حالة من الاحتقان. فالمؤسسات التعليمية ما زالت تخرّج طلاباً بمناهج عفا عليها الزمن، بينما الطلاب أنفسهم يتعلمون خارج أسوار المدرسة مهارات قد تغنيهم عن شهادتها. ومؤسسات العمل ما زالت تطلب الخبرة المتراكمة وتغفل عن المهارات الجديدة التي يمتلكها حديثو التخرج، فتفوت على نفسها فرصة التجديد. والحكومات تواصل الحوار بلغة الأمس مع جيلٍ يتحدث لغة المستقبل.

لكن في قلب هذه العاصفة، تكمن أيضاً بذور أملٍ عظيمة. هذا التحول يمثل فرصة تاريخية للمنطقة العربية للقفز فوق عقود من التخلف. فلو أحسنت المجتمعات والحكومات استقبال هذه الطاقة الجديدة، وتفهمت هذه الثورة المعرفية، لأمكن تحويل هذا الجيل الصاعد من قنبلة موقوتة إلى محرك للتنمية. المطلوب ليس مجرد منحهم مقاعد شرفية، بل تمكينهم من قيادة دفة التغيير في الاقتصاد نحو اقتصاد المعرفة، وفي السياسة نحو الحوكمة الرشيدة، وفي المجتمع نحو قيم الإبداع والمبادرة.

نحن إزاء لحظة مفصلية: إما أن نتعامل مع هذا التحول بوصفه تهديداً للثوابت، فنزيد من حدة الصدام ونُعمق الهوة حتى الانهيار، أو أن نتعامل معه بوصفه رياح تغيير محمولة، فنبحر بها نحو آفاق جديدة من النهضة. الخيار ليس بين التمسك بالماضي أو الانسلاخ عنه، بل بين الفهم الذكي لمتطلبات الحاضر، والاستعداد بشجاعة لمستقبلٍ يصنعه الأصغر، بمعرفة الأكبر وحكمته، إذا ما توفرت لديه التواضع الكافي ليتعلم من ابنه من جديد. فالحكمة لم تعد حكراً على الشيخوخة، والطاقة لم تعد وقفاً على الشباب. التحدي هو في صناعة الجسر بينهما.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. -مجلس للسلام- يترأسه ترامب مدى الحياة.. ما طبيعته ومن رفض ال


.. تبادل الاتهامات بين دمشق و-قسد- بخرق وقف إطلاق النار بعد مقت




.. ترامب يهدد بمحو إيران.. هل اقتربت لحظة المواجهة الشاملة؟ | #


.. عاجل | في كلمته بمنتدى دافوس.. ترامب ينتقد أوروبا ويكشف موقف




.. ما حقيقة تجنيد قوات قسد للأطفال بعد اختطافهم من أهاليهم؟