الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
ست البلاد ، الدكتورة نعمات أحمد فؤاد
حسن مدبولى
2025 / 12 / 7قضايا ثقافية
في لحظات المصير الحاسمة، حيث تتعرض روح الأمم للخطر، لا ينفع إلا صوتٌ صادقٌ واحد. صوت لا يصدر عن مكاتب مكيفة أو صالونات ثقافية، بل عن ضمير حي يعرف أن الوطن ليس ترابًا فحسب، بل تاريخٌ وكرامة وهوية لا تُمس. في تلك اللحظات العصيبة من تاريخ مصر الحديث، كان هذا الصوت ينبعث من امرأة واحدة: الدكتورة نعمات أحمد فؤاد.
لم تكن نعمات (1926-2016) مجرد أكاديمية ناجحة، من مغاغة بالمنيا إلى قمة التفوق العلمي وحفظ القرآن، بل كانت قوة أخلاقية هادرة.
فحين قرر الرئيس أنور السادات عام 1977 فتح هضبة الأهرام أمام مشروع استثماري إماراتي يهدد قدسية المكان، لم تكتفِ نعمات بالكتابة أو الاستنكار ، بل أشعلت معركة كاملة حيث واجهت الرئيس مباشرة، وحشدت النقابات والأحزاب والجامعات، ورفعت دعوى قضائية ضده، وأصدرت كتابها الوثائقي المدوي "مشروع هضبة الأهرام". كانت حملتها تلك شرسة ومترابطة، تجمع بين فكر المثقف وقلب المناضل، واستمرت ولم تتوقف حتى أجبرت الدولة على التراجع وإلغاء القرار عام 1978. فأثبتت بذلك أن صوت الحق، حين يكون جريئًا وحكيمًا، يمكنه أن يُحْبِط أعتى الخطط.
لقد كانت معركة الأهرام مجرد البداية، تحولت بعدها نعمات إلى حارسٍ وطنيٍ شامخٍ بلا رتوش. فوقفت في وجه محاولة النمسا دفن نفاياتها النووية في أرض مصر، متحدية سخرية المتربصين وضغوط المتنفذين، حتى تراجعت الحكومة النمساوية نفسها.
كما كشفت السيدة العظيمة بالوثائق والأرقام عن مخاطر محاولات السيطرة على البنوك المصرية عبر الأموال الخليجية، مدافعة عن سيادة القرار الاقتصادي.
وكان نهر النيل شغلها الشاغل ، فحاربت كل محاولة للعبث بمائه أو تحويله إلى "ضيعة خاصة"، ورفضت بصرامة أي حديث عن منح قطرة واحدة منه لإسرائيل.
أما في مجال الآثار والتراث، فكانت نعمات جيشًا بمفردها، حيث نجحت في منع سفر الآثار للخارج بحكم قضائي، وأعدت قوائم بالآثار المنهوبة من سيناء كأساس للتفاوض على استعادتها، وانتشلت قصر محمد محمود خليل من براثن النهب،
ثم قادت مرة أخرى في عام 1989 حملة ضخمة أوقفت مشروعًا لتشويه منطقة أبو الهول بإقامة أسوار ومدرجات وبوتيكات،
كانت تدرك أن المعارك لا تُخاض بالقلم وحده، بل بالمواقف الثابتة. لذلك قالت كلمتها المأثورة: "شيء كبير أن يكون للإنسان قلم، ولكن شيئًا نفيسًا أن يكون للإنسان موقف".
رفضت الدكتورة نعمات أحمد فؤاد المناصب والإغراءات، واختارت أن تكون مع مصر لا مع السلطة، ومع الناس لا مع النخب، ومع التراب والتاريخ لا مع صفقات المستثمرين العابرة.
تركت وراءها كتبًا في الفكر والأدب، لكن إرثها الحقيقي هو درس الأخلاق العملي وهو أن المثقف الحقيقي ليس معلقًا على الأحداث، بل إنه فاعلٌ يمنع الكوارث.
وأن الدفاع عن الوطن ليس وظيفة، بل شرفٌ يتطلب شجاعة الرفض والمواجهة.
رحلت الدكتورة نعمات عام 2016، لكن سيرتها تظل علامة مضيئة في زمننا، تذكرنا بأن للضمير قوة، وللموقف وزن، وأن مصر تنجب دومًا من يقف سدًا منيعًا حين يقترب الخطر.
وفي الليالي الظلماء حقًا، نفتقد هذا البدر المنير.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. واشنطن بوست: إن اتفاق وقف القتال في سوريا تقرَّر بعد أن خسرت
.. ما الذي يؤسس له اتفاق دمشق من حيث التفاهمات في ظل التطورات ا
.. نشطاء فرنسيون: المقاطعة سلاحنا الأخلاقي لوقف الإبادة في فلسط
.. العشائر السورية.. جذور ونفوذ
.. المتحدث باسم وزارة الداخلية السورية: نقوم بتأمين الممتلكات و