الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


من رفوف مكتبات الجامعات إلى التنفيذ كمشاريع تنموية:متى سيترجم العراق البحوث العلمية إلى فعل مؤسسي - تنموي؟

رمضان حمزة محمد
باحث

2025 / 12 / 7
مواضيع وابحاث سياسية


مع تزايد القيود المفروضة على الموارد المائية من قبل دول المنبع وبحجج مختلفة وتصاعد تضارب المصالح بين مختلف أصحاب المصلحة، وخاصة في وسط وجنوب البلاد باتت المشاركة في صنع القرار الخيار الأمثل لضمان إدارة فعّالة ومستدامة للمياه. ورغم أهمية إدارة احواض الأنهر كإدارة تشاركية، فأن النتائج لا يمكن أن تكون فورية أو «معجزة». فإلغاء تخصيصات المياه غير القانونية أو التعامل مع حالات تجاوز الاستهلاك، على سبيل المثال، ما يزال يتطلب مراجعات قانونية وإجراءات قضائية. كما أن أي سياسة جديدة ينبغي أن تنال قبول المجتمع المتأثر بها والمتضرر منها؛ فلا يمكن اتخاذ قرار مركزي من الأعلى ثم وصف مشاركتهم في تنفيذه بأنها "مشاركة". وحتى النماذج السابقة للحكم التشاركي لا يمكن تطبيقها آليًا دون مراعاة الظروف الاجتماعية الراهنة في العراق. أن أزمات المياه الراهنة لم تعد تهدد محافظة أو مدينة بعينها، بل باتت تمس مستقبل ما يقرب جميع سكان المناطق الحضرية وكامل القطاع الزراعي والصناعي، في بلاد ما بين النهرين حيث لا تتوفر لهم ضمانات للحصول على مياه شرب آمنة بصورة مستدامة وتامين الغذاء الكافي واستمرار عجلة الصناعة وخاصة الصناعات النفطية. وفي ظل هذه الأوضاع، يبرز السؤال الذي يؤكد على الإدارة التشاركية للموارد المائية، والتي لها القدرة على إحداث تغيير حقيقي.
أن إدارة احواض الأنهر التشاركية قادرة بالفعل على إحداث تحولات جوهرية، لكنها مرهونة بإزالة العقبات المؤسسية ورفع التجاوزات ومحاسبة المقصرين. لذا بات من الضرورة القصوى العمل على تطبيق فكرة مشاركة المستخدمين في إدارة موارد المياه، عبر منح صلاحيات تشغيل محدودة لجمعيات مستخدمي المياه. وتطوير الفكرة في الخطط اللاحقة لتشمل تشكيل مؤسسات مجتمعية على مستوى الأحواض المائية، ثم تعزيز هذه الجمعيات وتقنينها في الخطط الزراعية، والعمل على توسّع الإطار ليشمل فئات أوسع من أصحاب المصلحة، كالقطاع الصناعي، والتعدين، والخدمات، إضافة إلى قطاع الزراعة، مع التركيز على محاور ثلاثة، الإدارة المتكاملة، ورفع الإنتاجية، وإصلاح أنماط الاستهلاك. لأنه كلما اشتدت ضغوط الموارد المائية وتعاظم تضارب المصالح، ازدادت الحاجة إلى إدارة تشاركية حقيقية. لكن تغيير العادات والسلوكيات ليس أمراً سريعاً وسهلاً؛ فالمجتمعات التي اعتادت الحصول على المياه الوفيرة لها او المنقولة من مناطق أخرى كلما قلت الموارد المائية لن تغيّر سلوكها بسهولة ما لم تتغير سياسات الحوكمة نفسها. ومما يؤسف له بان وزارة الموارد المائية اعتمدت نظرياً فكرة الدراسة الاستراتيجية للموارد المائية والأراضي، وكذلك الإدارة التشاركية من خلال جمعيات مستخدمي المياه، غير أن ما ينبغي تنفيذه على أرض الواقع لم يتحقق بعد، ولم تُستكمل الخطوات الثقافية والمؤسسية اللازمة لإنجاحها. وان التصريحات الحكومية في هذا المجال جيدة من حيث الصياغة، لكنها بقيت مجرد نصوص على الورق دون ترجمتها إلى ممارسات.
وجود متجاوزين على الحصص المائية والأراضي الزراعية قد تشكل ما يسمى "مافيا مياه"، في البلاد لأن المشكلة الحقيقية تكمن في الهياكل المؤسسية المتضاربة داخل الوزارات المعنية بالشأن المائي، حيث تتداخل أدوار الجهة المنظمة للموارد المائية مع أدوار المتجاوزين على المياه، مما يعيق التخطيط بعيد المدى ويقوّض الثقة بين الوزارات والمجتمع. وعندما تعلن الوزارة عن ندرة المياه وتطالب المجتمع بالترشيد، يجد المواطنون أن بعض الفئات مثل الصناعات النفطية أو الجهات ذات النفوذ السياسي تحصل على استثناءات أو معاملة تفضيلية. وهذا بدوره يعزز الاعتقاد بأن «حصة البعض يذهب لصالح الآخرين». كما يؤدي غياب الشفافية إلى تآكل مصداقية القرارات الحكومية.
نحن كخبراء نرى بأن حل أزمات المياه تتجاوز الحلول التقنية البحتة. فحتى لو أمكن جلب المياه من مصادر بعيدة أو بتقنيات متقدمة، فإن غياب الإدارة الرشيدة والاستخدام الاجتماعي القائم على المشاركة سيُبقي المشكلة قائمة. لذلك تُعد المقاربات التقنية والاجتماعية متكاملة وغير قابلة للفصل.
ولان التنمية المستدامة التي تقوم على ثلاثة أبعاد مترابطة الاقتصاد، والمجتمع، والبيئة. فالتنمية لا تتحقق في منطقة التقاء هذه الدوائر الثلاث فحسب، بل إن كل نشاط اقتصادي يعتمد في النهاية على المجتمع، وكل نشاط اقتصادي واجتماعي يعتمد على البيئة. أي أن إدارة الموارد المائية ليست مجرد مسألة هندسية، بل عملية اجتماعية–اقتصادية–بيئية في المقام الأول. ويمكن التأكيد بان أدارة احواض الأنهر والإدارة التشاركية هي المفتاح الأساسي لحل أزمات المياه في العراق، متجاوزةً الحلول التقنية البحتة إلى معالجة الأبعاد الاجتماعية والحكومية للمشكلة. على الرغم من أن المشاركة ضرورية في إدارة المياه، لا سيما مع تفاقم ندرة المياه وتضارب المصالح، إلا أنه ليس من السهل تجميعها وتنفيذها. لا تتمثل العقبات الرئيسية في نقص الخطط التقنية أو الوعي العام، بل في قضايا هيكلية متجذرة، بما في ذلك تضارب المصالح المؤسسية بين الوزارات المعنية بالشأن المائي، وانعدام الشفافية، وغياب ثقة الجمهور لذلك، يعتمد التنفيذ الناجح على إصلاحات جوهرية مواءمة الاستراتيجيات الوطنية رفيعة المستوى، ومراجعة القوانين المتناقضة، وإنشاء نظام شفاف وخاضع للمساءلة، حيث يمكن للعمل التشاركي الحقيقي أن يحل محل السياسات المتناقضة والممارسات غير المستدامة. في الملف المائي في العراق كدولة مصب.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. أمطار غزيرة وفيضانات تغرق شوارع تونس وتجبر مدارسها وجامعاتها


.. مظاهرات حاشدة في كردستان العراق دعما لأكراد سوريا




.. بين أطماعه في غرينلاند وسعيه لإنشاء مجلس للسلام.. ترامب يربك


.. أردوغان: على القوات الكردية في سوريا حل صفوفها وإلقاء أسلحته




.. بين واشنطن وأنقرة ودمشق.. أين يقف أكراد سوريا؟ | #ستوديو_وان