الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
السلام المؤجَّل وحقوق الكرد… بين الوعود السياسية وواقع الإنكار
حجي قادو
كاتب وباحث
(Haji Qado)
2025 / 12 / 7
مواضيع وابحاث سياسية
في الآونة الأخيرة، أعلنت تركيا عن مسارٍ جديد لما سُمّي بـ«عملية السلام» مع حزب العمال الكردستاني، حيث بادر الحزب باتخاذ خطوات وُصفت بالجديّة، تمثّلت في إلقاء السلاح، وحلّ بنيته التنظيمية، والانسحاب من أراضي كردستان تركيا باتجاه إقليم كردستان العراق، من دون أن تُقابل هذه الخطوات، حتى الآن، بأي إجراءات عملية موازية من جانب الحكومة أو الدولة التركية.
وعلى الرغم من هذا الاختلال في ميزان المبادرات، صرّح دولت بهجلي بأن «الجناح الثاني لطائر السلام سيرتفع»، مشيرًا إلى أن السيد عبد الله أوجلان ماضٍ في وعوده بشأن سلام حقيقي وصادق وواقعي. وفي السياق ذاته، جاءت تصريحات وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، التي ألمح فيها إلى إمكانية أن يلعب أوجلان دورًا في الملف السوري، عبر التأثير على «قوات سوريا الديمقراطية» ودفعها نحو إلقاء السلاح.
ومن موقع المسؤولية السياسية والأخلاقية، نُعلن دعمنا لأي مسار سلام حقيقي في تركيا تشارك فيه القوى السياسية والمجتمعية الكردية في كردستان تركيا، شريطة ألّا يكون هذا السلام على حساب الوجود القومي الكردي في بقية أجزاء كردستان، وألّا يتحوّل إلى غطاء لإقصاء الحقوق المشروعة للشعب الكردي أو إنكارها تحت أي مسمّى.
وفي هذا السياق، تكتسب تصريحات المبعوث الأميركي توم باراك أهميةً خاصة، ولا سيّما حين تحدّث عن استحالة نجاح اللامركزية في الشرق الأوسط، وفشل النظم المركزية في الكيانات التي تشكّلت بعد اتفاقيات الاستعمار عقب الحرب العالمية الأولى. فهذه التصريحات تُشكّل، في جوهرها، اعترافًا بعمق الأزمة البنيوية التي تعاني منها الدول التي تتقاسم أرض كردستان، وتؤكّد حقيقةً تاريخية مفادها أنّ الشعوب التي لم تُمنح حق تقرير المصير لا يمكن أن تنعم الدول التي تهيمن عليها بالحرية أو العدالة أو الاستقرار.
إن ما يجري اليوم يجب أن يُعدّ جرسَ إنذارٍ حقيقيًا للمجتمع الدولي، بأن سياسات القمع المركزي، وممارسات التتريك والتعريب والفرسنة والتطييف التي مارستها هذه الأنظمة على مدى قرنٍ كامل، قد وصلت إلى طريقٍ مسدود، وأن استمرار نهج الإقصاء والإلغاء لن يفضي إلا إلى مزيد من الاضطرابات والصراعات المفتوحة.
لقد قدّم الشعب الكردي مئات الآلاف من الشهداء في سبيل الحرية، وتعرّض لأبشع صور الإبادة الجماعية والتهجير القسري ومحاولات محو الهوية الوطنية الكردستانية، ومع ذلك ما يزال محرومًا من أبسط حقوقه السياسية والقانونية التي كفلتها المواثيق الدولية.
وفي هذا التوقيت الحرج، يتوجّه الشعب الكردي بنداءٍ واضح إلى المجتمع الدولي، والمنظمات الحقوقية، وهيئة الأمم المتحدة، لتحمّل مسؤولياتها الأخلاقية والقانونية تجاه قضيته العادلة، والضغط على الأنظمة المعنية للاعتراف بالحقوق الوطنية المشروعة للشعب الكردي، وإشراكه شريكًا حقيقيًا في صياغة مستقبل المنطقة على أسس العدالة والمساواة والاحترام المتبادل.
أما فيما يتعلّق بالتصريحات الأخيرة التي أُطلقت خلال زيارة أحمد الشرع إلى دولة قطر، حين قال: «الكرد في عيوننا وسنندمج معًا»، فإن الشعب الكردي لا يرى نفسه في العيون ولا في العبارات الدبلوماسية العابرة، بل يراه في النصوص الدستورية الواضحة، وفي القوانين الضامنة للحقوق، وفي الممارسات اليومية التي تؤكّد الشراكة الحقيقية لا الرمزية.
فالحقوق لا تُمنح بالكلمات، ولا تُقاس بحجم المجاملات السياسية، بل تُكتب في الدساتير، وتُصان بالقوانين، وتُمارَس على أرض الواقع.
وفي سياق متصل، تبرز مفارقة واضحة في الخطاب السياسي لأحمد الشرع، الذي ينفي عن نفسه صفة «الإرهاب»، ويؤكّد أنه قاتل لسنوات طويلة من دون أن يستهدف المدنيين، في حين تشير الوقائع الموثّقة إلى ارتباطاته السابقة بتنظيمات متشدّدة، وتنقّله بين جماعات ذات فكر متطرّف، ثم محاولاته اللاحقة لإعادة تقديم نفسه بلباس سياسي جديد. إن هذه الازدواجية في الخطاب تُقوّض الثقة، وتُضعف أي حديث جاد عن الانتقال من منطق السلاح إلى منطق الدولة والقانون.
وعلى الرغم من مرور عام على سقوط النظام ووصول «هيئة تحرير الشام» إلى مشهد السلطة في سوريا، وهو ما اعتُبر من أضخم التحوّلات السياسية في المنطقة، واحتفال قطاعات واسعة من الشعب السوري في الساحات والميادين بهذه المناسبة، فإن هذا المشهد الاحتفالي لم يكن عامًا؛ إذ بقيت مناطق الساحل السوري وسكان جبل باشان وشرقي الفرات خارج هذا المزاج، في ظلّ غياب المعالجة الجادّة للأوضاع الداخلية المتدهورة، من غلاء فاحش في أسعار المواد الغذائية والطاقة، وتآكل منظومة الضبط القانوني، وتراجع مستوى الخدمات الأساسية، فضلًا عن استمرار تجاهل حقوق باقي المكوّنات العرقية في سوريا، وعلى رأسها الشعب الكردي، الذي يُعدّ ثاني أكبر قومية في البلاد، من دون اعتراف كافٍ بهويته الوطنية وحقوقه المشروعة.
إن السلام الحقيقي لا يُبنى على الإنكار، ولا على إعادة تدوير الخطابات، بل على الاعتراف بالحقوق، ومصارحة الشعوب، ووضع أسس قانونية واضحة لعلاقات قائمة على الندية والكرامة الوطنية.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. أمطار غزيرة وفيضانات تغرق شوارع تونس وتجبر مدارسها وجامعاتها
.. مظاهرات حاشدة في كردستان العراق دعما لأكراد سوريا
.. بين أطماعه في غرينلاند وسعيه لإنشاء مجلس للسلام.. ترامب يربك
.. أردوغان: على القوات الكردية في سوريا حل صفوفها وإلقاء أسلحته
.. بين واشنطن وأنقرة ودمشق.. أين يقف أكراد سوريا؟ | #ستوديو_وان