الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
تجربتي الأدبية وزيف البشر
داود السلمان
2025 / 12 / 7الادب والفن
في العمر العشرين، تُشبه الروح صفحة بيضاء واسعة، تتسع لكل حلم، وكل وهم جميل، وكل فكرة ناصعة نؤمن بأنها الحقيقة المطلقة. كنت آنذاك أرى عالم الأدب والثقافة كأنه واحة طهر لا يدخلها إلا الأنقياء، مكانًا يشبه أجواء الأنبياء، حيث يتجرد الإنسان من كل شهوة ومصلحة وعيب. كانت الكتب بالنسبة لي بوابات للسمو، وكان الأدباء كائنات أعلى من البشر، يحملون قلوبًا نقية لا تعرف الخطيئة، وعقولًا لا تنحني أمام رغبة ولا تتلوث بنفاق. تلك النظرة البريئة كانت جزءًا طبيعيًا من العمر ومن حرارة الشغف.
منذ ذلك الوقت، أحببت الأدب حبًّا أصيلًا، وتمنّيت أن أكون جزءًا من هذا العالم، أن انتسب إلى اتحاد الأدباء، وأن أخط اسمي هناك حيث يتجاور الإبداع مع الخلود. تمنّيت أن اكبر وأن احمل تلك الشعلة البيضاء التي لا تنطفئ، وأن اصغي لصوت داخلي يقول إن مستقبلًا جميلاً ينتظرني بين الكلمات. لكن الحياة —بدهائها القديم— لا تمنح الإنسان الأشياء كما يتخيّلها، بل كما هي حقًا، وتكشف له أن الأوهام مهما بدت مقدّسة، لا تصمد أمام اختبار الزمن.
واليوم، بعد أربعين عامًا، جاءت الصدمة القاسية. ليست صدمة من الأدب ذاته، فالأدب باقٍ كما هو؛ كتابٌ صادق، وقصيدة ساحرة، وفكرة تضيء العقل. الصدمة جاءت من البشر، من إدراك أنّ الذين كنا نراهم المثال الأعلى ليسوا أكثر من بشرٍ، فيهم ما في الناس جميعًا من ضعف وتناقض وأهواء. اكتشفت أن كثيرًا مما نعتبره قداسة قد يكون مغطّى ببريق زائف، وأن بعض الذين يتحدثون عن القيم الكبرى ربما يفعلون عكسها حين تُطفأ الأضواء.
هنا فقط فهمتَ أنّ الإنسان محاط بخدعة كبيرة اسمها الحياة. حياة تُزيّن الأشياء ثم تكشف بشاعتها، تُعطي لتأخذ، وتُعلّم بالضربات أكثر مما تُعلّم بالكتب. لكنها، رغم قسوتها، ليست شرًا مطلقًا؛ إنها تجربة معقدة، خليط من صدق وكذب، من جمال وقبح، من خيبة ورجاء. ولعل الحقيقة الكبرى التي أدركتها اليوم هي أنني حين أحببت الأدب، أحببت الجانب النقي في نفسي، وليس في الآخرين. الأدب لم يخدعني يومًا، لكن البشر فعلوا.
ومع ذلك، تبقى الخدعة الجميلة جزءًا من نضجنا. فقدان المثاليات لا يعني فقدان الإيمان، بل يعني أني صرت ارى الأشياء بعين أكثر عمقًا. أنا اليوم عرفت أن الأدب ليس عالمًا منزّهًا، لكنه عالم قادر على أن يُطهّر الروح رغم عيوب أصحابه. وأن الحياة، مهما خدعتنا، تترك في داخلنا القدرة على الحلم وعلى الكتابة عن هذا الألم، وعلى تحويل الصدمة إلى فهم، والخسارة إلى حكمة.
لذلك، ربما لم أخسر شيئًا. أنا فقط انتقلت من الوهم إلى الحقيقة، ومن الطفولة إلى الرؤية. وما يبقى بعد كل هذا هو قلمي وقلبي الذي لم يفقد حساسيته مهما كانت الخيبات.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. الكلاسيكو - سهام صالح: كل المنتخبات الكبيرة معندهاش ثقافة تق
.. شركة دريمز تحتفي بمسيرة النجاح وتكرّم فناني وداعمي أعمالها ا
.. المشهديّة | إيران والتقارير -الحقوقية-.. كيف تُضخّ الرواية؟
.. الموسيقى المولدة بالذكاء الاصطناعي: سؤال القيمة والإبداع الب
.. مسك الكلام | الفنانة تهاني سليم | 2026-01-18