الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


لماذا يخاف الغرب من إسرائيل؟ تفكيك الأسطورة من داخل بنيتها العميقة

يحي عباسي بن أحمد
كاتب

(Abassi Yahia Ben Ahmed)

2025 / 12 / 7
القضية الفلسطينية


1. مدخل الإشكال: الخوف الذي يبدو دعمًا
يُخيَّل في الخطاب السياسي السطحي أن الغرب، خصوصًا الولايات المتحدة، يدعم إسرائيل لأنها قوية، أو لأنها حليف استراتيجي فقط. غير أن هذا التفسير ينهار أمام حقيقة بسيطة:
الدول القوية لا تُحمى بهذا الهلع، ولا تُمنح شيكًا أخلاقيًا مفتوحًا كما يحدث مع إسرائيل.
ما نراه ليس مجرد دعم، بل خوفٌ وجودي مُقنّع بلغة التحالف.
السؤال الحقيقي ليس:
لماذا يدعم الغرب إسرائيل؟
بل: لماذا يخاف الغرب من سقوطها؟

2. إسرائيل: من دولة إلى أسطورة سياسية
إسرائيل لم تُبْنَ في الوعي الغربي بوصفها دولة طبيعية نشأت من تطور تاريخي داخلي، بل بوصفها:
• تعويضًا عن جريمة أوروبية (الهولوكوست)،
• وأداةً استعمارية جديدة خارج أوروبا.
تُبيّن حنّة آرنت أن المأساة اليهودية بعد الحرب العالمية الثانية لم تُعالَج أخلاقيًا، بل استُثمرت سياسيًا في مشروع سيادي مدعوم بالقوة (Arendt, 1951).
بهذا المعنى، لم تعد إسرائيل مجرد كيان سياسي، بل تحوّلت إلى أسطورة سياسية مؤسسة، أي إلى كيان يُستمدّ وجوده من سردية خلاص لا من شرعية تاريخية.

3. البعد الجيوسياسي: إسرائيل كوظيفة إمبريالية
يرى نعوم تشومسكي أن إسرائيل تمثّل أهم قاعدة متقدمة للمشروع الأمريكي خارج حدود الولايات المتحدة (Chomsky, 1999).
فهي ليست فقط:
• حليفًا عسكريًا،
• بل أداة:
• لضبط الإقليم،
• لإجهاض أي نهوض مستقل،
• ولإبقاء المنطقة في حالة استنزاف دائم.
من هنا يصبح سقوط إسرائيل ليس خطرًا على كيان حليف فقط، بل:
خطرًا على البنية التشغيلية للهيمنة الأمريكية في الشرق الأوسط.

4. البعد اللاهوتي: حين تتحول الدولة إلى “نص مقدس”
توضح كارين أرمسترونغ أن الصهيونية المسيحية لعبت دورًا حاسمًا في تقديس إسرائيل داخل الوعي الأمريكي، حيث يُنظر إلى قيامها باعتباره شرطًا لتحقيق النبوءات الإنجيلية (Armstrong, 1996).
هنا يحدث التحوّل الأخطر:
• الدولة تصبح عقيدة،
• والسياسة تتحول إلى لاهوت،
• والنقد يُعامل ككفر رمزي.
وبذلك تنتقل إسرائيل من:
كيان قابل للنقد إلى كيان محرَّم أخلاقيًا.

5. البعد النفسي: عقدة الذنب وتدوير الجريمة
يفضح إدوارد سعيد الآلية النفسية العميقة التي اشتغل بها الغرب بعد الهولوكوست، حيث جرى تفريغ عقدة الذنب الأوروبية في الجسد الفلسطيني (Said, 1979).
النتيجة:
• تحوّلت الضحية الأوروبية إلى جلاد استعماري.
• وتحول الفلسطيني إلى ضحية بلا اعتراف عالمي مكافئ.
وهنا يصبح الخوف من سقوط إسرائيل خوفًا من:
انكشاف الجريمة الأخلاقية المزدوجة: جريمة الماضي وجريمة الحاضر معًا.

6. البعد الفلسفي: إسرائيل كفضيحة للحداثة
يربط هابرماس أزمة الحداثة بعجزها عن التوفيق بين العقل والأخلاق (Habermas, 2006).
وإسرائيل تمثل إحدى أوضح صور هذا الانفصام:
• خطاب عالمي عن حقوق الإنسان،
• يقابله دعم غير مشروط لنظام استيطاني عنصري.
إسرائيل هنا لا تمثّل استثناءً، بل تمثّل كاشفًا راديكاليًا لتناقض الحداثة مع ذاتها.

الخلاصة
الغرب لا يخاف من إسرائيل لأنها قوية، بل لأنه:
1. أودع فيها ذاكرة ذنبه التاريخي،
2. ووضع فيها وظيفته الإمبريالية في الشرق،
3. وربط بها سرديته اللاهوتية الجديدة.
لهذا فإن سقوط إسرائيل لا يعني فقط:
• انهيار كيان سياسي،
بل يعني:
تصدّع الأسطورة التي يقوم عليها جزء كبير من النظام العالمي المعاصر.
إسرائيل ليست مركز قوة الغرب، بل مركز خوفه العميق من انكشاف ذاته.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. سوريا: الجيش يعطي مهلة جديدة لمغادرة مناطق سيطرة الأكراد بري


.. كل الخيارات على الطاولة… متى يحسم ترامب قراره تجاه إيران؟ |




.. ويتكوف: هناك حاجة إلى فتح معبر رفح الذي يستخدم ورقة ضغط


.. جولة في الصحافة العالمية بشأن القضايا الإقليمية والدولية




.. العربية ويكند | عراقجي يحذر ترمب: لا تكرر خطأ يونيو.. ستفشل