الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
سوريا بين الخطاب المعلن والواقع الميداني
حجي قادو
كاتب وباحث
(Haji Qado)
2025 / 12 / 8
الارهاب, الحرب والسلام
مع تصاعد المشهد العسكري في شرق سوريا، برزت مؤخرًا مشاهد لعروض مسلحة في مدينة دير الزور تحت شعارات تعبّوية "صبراً صبراً بالجزيرة" بمناسبة عام على هروب بشار الاسد، عكست حالة من التناقض الواضح بين الخطاب السياسي المعلن لبعض القيادات في دمشق، وبين الممارسات الفعلية للفصائل المسلحة على الأرض. هذا التباين يثير تساؤلات جدّية حول طبيعة القرار السياسي، ومن يمتلك فعليًا مفاتيح القوة والتأثير في المشهد السوري الراهن.
ففي الوقت الذي تُصدَّر فيه تصريحات تدعو إلى التهدئة وضبط السلاح، تظهر على الأرض ممارسات توحي بعكس ذلك تمامًا، سواء من حيث الخطاب التعبوي، أو طبيعة التحركات العسكرية. ويبدو المشهد وكأن هناك انفصالًا واضحًا بين ما يُقال للإعلام، وما تُنفّذه التشكيلات المسلحة في الواقع، الأمر الذي يعمّق حالة فقدان الثقة، ويُضعف أي أمل حقيقي في استقرار سياسي أو أمني.
إنّ التحديات التي تواجه سوريا اليوم لا تقتصر على الصراعات الداخلية فحسب، بل تشمل أيضًا انتهاكات خارجية واضحة للسيادة السورية في أكثر من منطقة. ورغم حساسية هذا الواقع وتعقيداته، فإنّ الأولوية الوطنية لأي سلطة يفترض أن تكون حماية وحدة البلاد، والدفاع عن أراضيها، وصون كرامة مواطنيها، لا الانخراط في صراعات داخلية تزيد من تمزّق المجتمع.
لقد أثبتت التجارب الحديثة أنّ سقوط الرموز لا يعني بالضرورة سقوط المنظومات. فالتغيير الحقيقي لا يُقاس بإزاحة أشخاص، بل بتبدّل طبيعة الحكم، وآليات اتخاذ القرار، وشكل العلاقة بين السلطة والمجتمع. ومن هنا، فإن استبدال وجه بآخر ضمن البنية نفسها لا يمكن أن يُنتج دولة مختلفة، بل يُعيد إنتاج الأزمة بصيغة جديدة.
منذ جلاء الاستعمار الفرنسي عن سوريا وحتى اليوم، ظلّت العلاقة بين السلطة والمجتمع محكومة بمنطق أمني قمعي في أغلب مراحله، حيث لم يكن المواطن محور السياسات العامة بقدر ما كان موضوعًا للضبط والسيطرة. وقد عانت مكوّنات عديدة من سياسات الإقصاء والتهميش، وفي مقدّمتها المكوّن الكردي، الذي تعرّض في مراحل مختلفة لسياسات الحرمان من الجنسية، ولبرامج تغيير ديمغرافي قسري، ولإنكارٍ ممنهج لحقوقه الثقافية والسياسية.
التنوّع الديني والقومي في أي بلد لا ينبغي أن يكون مصدر تهديد، بل يمكن أن يتحوّل إلى مصدر غنى وقوة. وتُظهر تجارب دول متعددة القوميات والأديان أنّ التعايش السلمي ليس مستحيلًا حين تتوافر إرادة سياسية حقيقية، وإطار دستوري عادل، وثقافة عامة قائمة على الاحترام المتبادل والمواطنة المتساوية.
إنّ المأساة السورية لم تكن يومًا نتاج اختلاف طبيعي بين مكوّنات المجتمع، بل كانت ثمرة سياسات الإقصاء، وهيمنة الخطاب الأحادي، واستخدام الدين والقومية أدواتٍ للصراع بدل أن يكونا فضاءً للتلاقي. وحين تتحوّل الشعارات الدينية إلى غطاء للعنف، يفقد الدين جوهره الأخلاقي، وتتحوّل السياسة إلى ساحة مفتوحة للخراب.
إنّ مستقبل سوريا لا يمكن أن يُبنى على منطق الغلبة، بل على أساس العدالة والمساواة وسيادة القانون. فالدولة التي تُقمع فيها التعدّدية لا يمكن أن تكون مستقرة، والسلطة التي لا ترى في مواطنيها شركاء لن تجد فيهم يومًا حماةً حقيقيين للوطن.
وخلاصة القول: إنّ سوريا اليوم بحاجة إلى مشروع وطني جامع، لا يُقصي أحدًا، ولا يُقدّس العنف، ولا يُبرّر الانتهاكات، بل يؤسس لدولة مواطنة حقيقية، يكون فيها الإنسان هو القيمة العليا، والحق هو المرجعية، والكرامة هي الأساس.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. سوريا: الشرع يوقع اتفاقا لوقف إطلاق النار مع قوات سوريا الدي
.. الاتحاد الأوروبي: هل يتم تفعيل آلية مكافحة الإكراه مقابل تهد
.. حرب التصريحات تشتعل بين ترامب وخامنئي.. هل اقتربت الضربة الأ
.. عاجل | الرئيس السوري يعلن توقيع اتفاق جديد مع قسد ينص على وق
.. ما أبرز ما جاء في تصريحات الرئيس السوري أحمد الشرع؟