الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


تبريرات النخبة العربية المتصهينة: تفكيك البنية الذهنية والسياسية لخطاب الخضوع

يحي عباسي بن أحمد
كاتب

(Abassi Yahia Ben Ahmed)

2025 / 12 / 8
القضية الفلسطينية


لم يعد التصهين العربي مجرد موقف سياسي عابر، بل أصبح منظومة فكرية تتأسس على تبريرات دقيقة ومتشابكة تعمل على إعادة تشكيل الوعي الجمعي تجاه فلسطين والاحتلال الإسرائيلي. ما نسمّيه اليوم “النخبة المتصهينة” ليس جماعة أفراد معزولين، وإنما خطاب كامل يعيد تعريف الواقع، ويُهندِس المجالات الثلاثة: الإدراك، والمعنى، والمصلحة.
هذا المقال يحاول تفكيك هذا الخطاب على أربع مستويات: البنية السياسية، البنية الخطابية، البنية النفسية، والبنية المصلحية.

أولًا: البنية السياسية للتبرير – تحويل الاحتلال إلى “واقعٍ طبيعي”

التمهيد الأساسي لهذا الخطاب يقوم على الدعوة إلى “الواقعية السياسية”، أي القبول بنتائج ميزان القوة الدولي. وفق هذه الرؤية، إسرائيل ليست احتلالًا قائمًا بالقوة، بل قوة إقليمية لا يمكن تجاوزها، وبالتالي:
التطبيع يصبح خيارًا اضطراريًا لا مفر منه.
المقاومة تتحوّل إلى “رومانسية سياسية” لا تمت للواقع بصلة.
فلسطين يُعاد تأطيرها من قضية تحرر إلى “ملف إداري” ضمن صراعات المنطقة.
هذا التبرير السياسي يشتغل على إزالة فكرة التحرّر من المعادلة، وتحويل الهزيمة المؤقتة إلى قدر تاريخي لا يُراجع.

ثانيًا: البنية الخطابية – صناعة “المنطق الزائف”
النخبة المتصهينة لا تقول “نحن نتخلى عن فلسطين”، بل تنتج معجمًا كاملاً لتبرير هذا التخلي. يمكن رصد أهم أدوات هذا الخطاب كما يلي:
1. التحايل اللغوي
تغيير مفردات الصراع:
الاحتلال يصبح “نزاعًا”.
التطبيع يصبح “سلامًا”.
المقاومة تصبح “ميليشيات”.
الاستيطان يصبح “توسعًا ديمغرافيًا”.
اللغة هنا ليست مجرد أداة بل سلاح لإعادة تشكيل الإدراك.
2. نزع الشرعية عن الضحية
يُحمّل الفلسطيني مسؤولية الاحتلال، عبر سرديات مثل:
“الفلسطينيون أضاعوا فرص السلام”.
“الانقسام الفلسطيني يجعل الصراع بلا معنى”.
وبذلك تتحول الجريمة إلى خطأ الضحية.
3. “تمدين” إسرائيل وتبخيس الذات
الحديث المتكرر عن:
“نجاح إسرائيل العلمي”.
“حداثتها السياسية”.
“ديمقراطيتها المستقرة”.
في مقابل تصوير العرب والعالم الإسلامي كفضاءٍ للعجز والاضطراب، فيصبح القبول بإسرائيل استثمارًا في الحداثة لا خضوعًا سياسيًا.
ثالثًا: البنية النفسية – صناعة قابلية التصهين
لا تكفي السياسة والخطاب؛ يجب أن تحصل عملية تغيّر نفسي عميق تنتج ثلاثة أنماط:
1. عقدة الدونية الحضارية
إعادة إنتاج الإحساس بأن العرب “متخلفون”، بينما إسرائيل تنتمي إلى “العالم المتقدم”، مما يجعل القبول بها جزءًا من “الخروج من التخلف”.
2. تحويل الهزيمة إلى شرعية
بدلًا من رفض الهزيمة، يتم اعتبار تقبّلها قاعدة للتعامل مع العالم، وكأن الهزيمة ليست حالة يجب تجاوزها، بل واقعًا يجب البناء عليه.
3. تصنيع الخوف بوصفه عقلانية
يتم تسويق فكرة أن مواجهة إسرائيل مغامرة كارثية، وأن الأمان القومي لن يتحقق إلا عبر الانضواء في مظلتها أو مظلة حلفائها الغربيين.
بهذا تتحول الخيانة إلى “حكمة”، والصمود إلى “طيش”.
رابعًا: البنية المصلحية – من التبرير إلى الاستثمار
جزء من النخبة المتصهينة ليس فقط مبرِّرًا نظريًا، بل مستفيدًا مباشرًا من القبول بإسرائيل:
حماية الأنظمة
بعض الأنظمة ترى في إسرائيل قناة مباشرة لتسهيل الدعم الغربي، وهو ما ينعكس على شبكات السلطة داخل الدولة.
الاستفادة الشخصية
مثقفون وإعلاميون وأصحاب أعمال يحصلون على:
فرص سفر.
تمويل أبحاث.
دعم إعلامي دولي.
صفقات اقتصادية.
إعادة هندسة المشهد الثقافي
مؤسسات ثقافية وفنية وإعلامية تُعاد صياغتها نحو رؤية تقبل إسرائيل “فاعلًا طبيعيًا”، مما يجعل “التصهين” رأس مال ثقافي جديد.
خامسًا: تبرير ما بعد الحداثة – قتل الحقيقة ونزع الأخلاق من الصراع
آخر وأخطر أشكال التبرير يلبس جبة التفكير الفلسفي:
لا وجود لحق مطلق.
كل السرديات نسبية.
الاحتلال مجرد “رواية مضادة لرواية أخرى”.
الهوية اختراع، والقومية خيال، والتحرر سردية رومانسية.
هذا الخطاب يسعى إلى تفكيك الفكرة المؤسسة للقضية: أن هناك مظلومًا ومظالمًا، وأن هناك أرضًا تُسلب وناسًا يُهجّرون.
هنا لا نرى اعترافًا بأخلاق الصراع، بل مسحًا لها كاملة.
خلاصة تحليلية
تبريرات النخبة العربية المتصهينة ليست تبريرات فردية، بل هي منظومة متكاملة تهدف إلى إعادة إنتاج علاقة جديدة بين العرب وإسرائيل تقوم على أربعة مبادئ:
التسليم بالقوة بدل مواجهتها.
قتل المعنى التحرري للقضية الفلسطينية.
إعادة صياغة الهوية العربية بمعزل عن فلسطين.
تحويل الخضوع إلى عقلانية والتطبيع إلى فضيلة.
ومع ذلك، يظلّ هذا الخطاب هشًّا، لأنه يقوم على إخفاء أساس الحقيقة:
أن الاحتلال لا يمكن أن يصبح “واقعًا طبيعيًا” مهما طالت المدة، وأن الوعي العربي قادر على تجاوز لحظات الانكسار حين يستعيد معناه التاريخي.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. غزة: مقتل 10 أشخاص في قصف إسرائيلي بينهم قيادي بارز في كتائب


.. كأس الأمم الأفريقية: بعد الفوز.. هكذا احتفل لاعبو المغرب خلف




.. تهديدات ترامب بضم غرينلاند: رئيسة وزراء الدانمارك تستقبل وفد


.. ترامب يهدد بتفعيل -قانون التمرد- إثر احتجاجات في مينيابوليس




.. رئيس الدائرة القطبية الشمالية: القطب الشمالي حلبة للسباق بين