الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


مرة أخرى الرد على مقال :ضاعت الأمة بين وهم السند وعلم الرجال مصطفى راشد منهج نقد الحديث بين التوثيق التاريخي والخلل المنهجي

يحي عباسي بن أحمد
كاتب

(Abassi Yahia Ben Ahmed)

2025 / 12 / 8
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


الملخص
يعالج هذا البحث بالنقد والتحليل مقالًا يُنكر علم السند وعلم الرجال ويعدّه سببًا في ضياع الأمة، مدّعيًا أنّه “علم القيل والقال” وأنه قائم على الظن وتزكية البشر للبشر، وأنّ غياب المخطوطات القديمة للمصنّفات الحديثية يُسقط حجّيتها. يعتمد المقال محلّ النقد على مغالطات منهجية وتاريخية ومعرفية، كما يخلط بين منهج نقد الرواية ومجال السياسة، ويستند إلى فهم غير دقيق لمفهوم التواتر والتدوين وطبقات الرواة. يثبت البحث أنّ علم الحديث يمثل أحد أكثر المناهج التاريخية دقة في الحضارات الإنسانية، وأن دعوى الاكتفاء بالقرآن دون السنة تتناقض مع القرآن نفسه، وتُفضي إلى انهيار البنية التشريعية. كما يعرض البحث لتاريخ المخطوطات الحديثية، ويبيّن أن دعوى “فراغ 500 سنة” لا أصل لها. ويخلص إلى أن المقال محلّ الدراسة يفتقر إلى الموضوعية العلمية والانضباط البحثي.

الكلمات المفتاحية: علم الحديث، علم الرجال، السند، التدوين، نقد المتن، التواتر، القرآنيون، التاريخ الإسلامي.
1. مقدّمة
برزت في العقود الأخيرة موجة من الكتابات التي تطعن في التراث الحديثي، وتصفه بأنه قائم على "الظن"، أو أنه بناء تاريخي مفصول عن الوحي. ومن بين هذه الكتابات المقال المعنون: ضاعت الأمة بين السند وعلم الرجال. هذا المقال يزعم أنّ علم الحديث مبني على "القيل والقال"، وأن غياب المخطوطات القديمة ينسف صحة كل السنة، وأن الاعتماد على السند تزكيةٌ بشرية لا معنى لها، وأن القرآن وحده مصدر التشريع.
تسعى هذه الدراسة إلى تقديم معالجة أكاديمية منهجية لهذا الخطاب، مع بيان مواقع الخلل المعرفي والتاريخي، وذلك ضمن إطار نقد علمي يعتمد قواعد البحث التاريخي الحديث (Historical Criticism)، ويستفيد من مناهج علم الحديث كما تشكّلت عبر القرون.
2. الخلفية النظرية: ماهية علم السند وعلم الرجال
يُعدّ علم السند أحد أبرز إنجازات العقل الإسلامي في مجال توثيق المعرفة. ويقوم على فكرة بسيطة وعميقة: لا يُقبل خبرٌ ديني أو تاريخي بلا معرفة دقيقة بناقليه. وقد طوّر العلماء منهجًا شاملاً لتمييز الدقة في النقل، يعتمد على:
دراسة تواريخ الميلاد والوفاة للتأكد من إمكان اللقاء.
التحقق من ضبط الراوي من خلال مقارنة رواياته.
نقد المتن وفق قواعد لغوية وعقلية وقرآنية.
التواتر كآلية تضمن استحالة التواطؤ على الكذب.
وقد اعتبر المستشرق جوزيف شاخت Joseph Schacht أن علم الحديث “نظام نقد النصوص الأكثر تعقيدًا في التاريخ قبل العصر الحديث”.
3. تحليل نقدي لادعاءات المقال
3.1 الادعاء الأول: “علم الرجال علم القيل والقال”
يُصوّر المقال علم الرجال كأنه ثرثرة اجتماعية، بينما هو علم تاريخي نقدي، يمكن مقارنته بالدراسات الوثائقية في علم التاريخ الحديث.
ويعتمد على:
جمع آلاف التراجم من مصادر متعددة.
مقارنة الروايات عبر طبقات زمنية.
نقد الرواة نقدًا منهجيًا.
وهي منهجية ليست ظنية بمعنى الارتجال، بل “ظن راجح” منضبط بضوابط الاستقراء العلمي.
3.2 الادعاء الثاني: “لا وجود لمخطوطات للبخاري ومسلم إلا بعد 500 سنة”
هذه دعوى غير صحيحة، وقد دحضها الباحثون في علم المخطوطات.
من المخطوطات القديمة:
مخطوطة البخاري برواية الفربري (ت 320هـ)، الموجود بعضها في تركيا وإيران.
نسخ بخط القرن الرابع والخامس للهجرة لصحيح مسلم.
أقدم نسخ سنن الترمذي وأبي داود تعود للقرن السادس الهجري.
إضافة إلى ذلك، لم يكن التدوين وحده هو معيار النقل، بل السماع المباشر، والإجازات، والمقابلة، وهي أدوات تحقق لا توجد حتى في حفظ التوراة أو الإنجيل.
وبالتالي فلا يوجد "فراغ 500 سنة" كما يذكر الكاتب.
3.3 الادعاء الثالث: “النقل يسبق العقل عند أهل الحديث”
يخلط المقال بين المنهج العلمي وبين التقليد الأعمى.
أهل الحديث مارسوا نقدًا عقليًا صارمًا، ومن نماذجهم:
نقد الشافعي للرواة المخالفين للأصول.
نقد ابن الجوزي للأحاديث الموضوعة.
نقد الدارقطني لصحيح البخاري ومسلم.
بل إن نقد المتون أحد الأسس التي لم يفهمها الكاتب، وهو عنصر عقلي خالص.
3.4 الادعاء الرابع: “كل الصحابة قتلوا بعضهم فلا عدالة لهم”
هذا مغالطة، إذ العدالة هنا ليست “عصمة سياسية”، بل استقامة في نقل الدين.
وقد ميّز علماء الحديث بين السلوك السياسي للصحابي، واجتهاده، وبين صدقه في الرواية.
ولا يتصور عاقل أن كذب صحابي على رسول الله ﷺ سيظل بلا كشف في مجتمع قائم على حفظ الدين.
3.5 الادعاء الخامس: “لا يمكن معرفة الصادق من الكاذب”
هذا إنكار لأساس الحياة الاجتماعية، إذ كل:
المحاكم،
التاريخ،
الصحافة،
شهادات الطب الشرعي،
كلها تستند إلى تحليل الشهادات وتمييز الصادق من الكاذب.
وقد بيّن القرآن نفسه هذا الأصل بقوله:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ الحجرات: 6
هذه الآية هي الأساس الشرعي لعلم الجرح والتعديل.
3.6 الادعاء السادس: “القرآن وحده مصدر التشريع”
القرآن يثبت عكس هذا الادعاء:
﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ (الحشر: 7)
﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ (النساء: 59)
كما أن القرآن يأمر بالصلاة، لكنه لا يذكر:
عدد ركعاتها،
صفتها،
شروطها.
فمن أين نعرفها؟
إذا رفضنا السنة، وقع التشريع في فراغ.
4. منهجية نقد الحديث مقارنة بالمناهج الغربية
أثبتت الدراسات الغربية الحديثة أن علوم الحديث:
تحتوي على آليات نقد داخلي وخارجي.
تعتمد على “التعدد النصي” الذي يزيد من موثوقية النقل.
تمتلك “سيرة نصية” قابلة للتتبع (Textual History)، بخلاف معظم النصوص القديمة.
وبهذا تتحول السنة إلى سجل تاريخي موثّق يمكن تحليله وفق أدوات علمية.
5. النتائج
المقال محلّ الدراسة يفتقر إلى أساس علمي، ويعتمد على معلومات غير دقيقة تاريخيًا.
علم الحديث ليس “ظنًا” بالمعنى السلبي، بل هو مجموعة ضخمة من قواعد النقد العلمي.
ادعاء “غياب المخطوطات” يخالف الحقائق الوثائقية.
إسقاط علم الحديث يؤدي بالضرورة إلى إسقاط نقل القرآن نفسه، لأنه وصل عبر الرجال والتواتر أيضًا.
الدعوة إلى “القرآن وحده” تتجاهل أن القرآن لا يقدّم نظامًا تشريعيًا عمليًا دون السنة.
النقد الفكري مطلوب، لكنه يجب أن يكون منضبطًا، لا قائمًا على مغالطات.
6. الخاتمة
تؤكد هذه الدراسة أن المقال الذي زعم ضياع الأمة بسبب السند وعلم الرجال لا يستند إلى منهج علمي أو تاريخي.
علم الحديث أحد أبرز إنجازات العقل الإسلامي، وقد سبق العلوم التاريخية المعاصرة بقرون في آليات النقد والتحري. كما أنّ النص القرآني نفسه لا يمكن تطبيقه دون السنة، وأن السنة لا يمكن إسقاطها إلا بإسقاط القرآن ذاته، لأن مصدرهما واحد ومنهج النقل واحد.
إن نقد التراث مطلوب، ولكن النقد الحقيقي لا يقوم على الانطباعات، بل على التحقيق العلمي.
المراجع

ابن حجر العسقلاني. (1379هـ). تهذيب التهذيب. القاهرة: المطبعة السلفية.
الدارقطني. (1345هـ). الإلزامات والتتبع. القاهرة: دار الكتب.
الشافعي. (1980). الرسالة. تحقيق أحمد شاكر. القاهرة: دار التراث.

Brown, J. A. C. (2009). Hadith: Muhammad s Legacy in the Medieval and Modern World. Oneworld Publications.
Donner, F. M. (1998). Narratives of Islamic Origins. Darwin Press.
Ess, J. van. (2012). The Flowering of Muslim Theology. Harvard University Press.
Görke, A., & Schoeler, G. (2011). The Historical and Contemporary Study of Hadith Literature. University of Chicago Press.
Motzki, H. (1991). The Origins of Islamic Jurisprudence. Brill.
Schacht, J. (1950). The Origins of Muhammadan Jurisprudence. Oxford University Press.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الإخوان المسلمون على لائحة الإرهاب الأمريكية: هل انتهى زمن ا


.. هكذا ستتحرك أوروبا لفرض رقابة مشددة على تمويل تنظيم الإخوان




.. تضييق دولي متزايد على تنظيم الإخوان.. لماذا الآن؟ | #التاسعة


.. العاشرة | زلزال في أوروبا.. فرنسا وبلجيكا تلاحقان تنظيم الإخ




.. نقاش | الطبوبي يعلن تراجعه عن الاستقالة والإخوان المسلمين عل