الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


مائدة الحنين

أكرم شلغين

2025 / 12 / 9
الادب والفن


وسط الصمت، جلست على حافة سريري أراقب الضوء وهو يتسلل عبر ستائر مهملة تمزق بعضها بفعل الزمن والريح وبعضها كحت لونه. فكرت بكن جميعا. لم أعد أبحث عن وجوهكن في الظلال، لكن شعوركن كان موجودا، مختبئا بين حكايات لم تُروَ وبين الأشياء الصغيرة التي لم نلحظها من قبل.
أعود دائما إلى ذكرياتنا كعابد يطوف حول محراب طفولته؛ كل لحظة فيها تضيء شيئا في داخلي وتطفئ شيئا آخر. ضحكاتكنّ كانت توقظ الفجر، ونظراتكن تهدئ العاصفة، وكلماتكن تصنع من الصمت لغة أرق من الكلام، وكأن العالم نفسه كان يتنفس من خلال حضوركن.
لكنني أتردد أحيانا: هل أشتاق إليكن حقا، أم إلى الصورة التي رسمها قلبي حين كنا نظن أن الزمن لن يجرؤ على أن يفرق بيننا؟ واعترف أن في داخلي خوفا خفيا لا يسمعه أحد. أخاف أن يعود الحب ذات يوم، فيدخلني في حياة جديدة لا أعرف كيف أتنفس فيها. أخاف أن أفقد عادة الوجع التي علمتني صلابة الروح، فأخون ذكراكن دون قصد. وربما أخاف أكثر أن يحبني قلب جديد ثم يكتشف أن داخلي شظايا كثيرة لم تلتئم تماما.
ومع ذلك، وفي لحظات صدق نادرة، أتخيل أنكن، حيثما تكونن، ما زلتم تتركن لي مكانا صغيرا على مائدة الحنين؛ لا لعودتي، بل لأقول لنفسي إن شيئا في هذا العالم ما يزال نقيا، غير ملوث بضرورات البقاء وصراعاته الصغيرة. وربما، في حلم لم يُكتب بعد، سألتقي بإحداكن على حافة زمن آخر؛ لا تسألني عما فات، ولا تطلب مني أن أنسى، بل تمد يدها بلطف وتقول:
"تعال، احمل ماضيك معي… فلن نجعله قيدا، بل جذورا نزرع فوقها غدا مختلفا."
في وقت آخر، خرجت لأمشي في حاكورة البيت. كل زهرة بدا أنها تحملكن، وكل ظل شجرة يذكرني بكيف كنتن تمسحن ضحكاتي بالصمت، وتعيدن ترتيب الفوضى في قلبي. وفي لحظة شعرت أنني لست وحيدا؛ شيء منكن ظل معي، لا يحتاج لعودة، ولا يطلب جوابا، بل يقيم في داخلي كقصة تنتظر أن تُروى.
رأيت طيفكنّ في مرآة الخزانة القديمة المكسورة والواقفة بميلان عند حائط الغرفة الغربي، وسمعت ضحكاتكنّ في صدى الباب القديم، كما لو أن الجدران نفسها تتذكر. حاولت أن ألمس الهواء لعلي أجد أثر أيديكنّ، لكنه كان مجرد نسيم يمر بلا معنى. هنا أدركت أن كل ما تركتنه لي ليس شيئا ماديا، بل عالم كامل من الذكريات، حارس صامت لكل شيء كنا عليه.
في الطريق، رأيت طفلا يلهو بفرح بسيط، وابتسمت له كما لو كنت أراه من خلال عيونكن. أدركت حينها أن الحياة تستمر رغم الغياب، رغم الرحيل، لكنها تحمل بصمات كل من أحببنا، وتعيدنا إليهن في لحظات صغيرة، صامتة، لكنها صادقة.
عدت إلى الغرفة وجلست أكتب لكن. هذه المرة، لم أحاول أن أستعيد الماضي، ولم أتمنى إعادة الزمن. فقط أكتب لأن الكتابة تحول الغياب إلى حضور، وتحول الذكريات إلى مكان يمكنني أن أزوره كل يوم، دون أن أفقد نفسي، ودون أن أفقدكن.
أحيانا، حين يمر يوم ثقيل أو لحظة وحيدة، أفتح دفتر الكتابة، وأجدكن هناك، بين الكلمات، بين السطور، بين الضوء والظل. يكفيني أن أعرف أنكن كنتم جزءا من موسيقى أيامي، وأن شيئا من تلك الموسيقى ما يزال يتردد في صدري كلما صمت العالم قليلا.
وفي الغروب، حين يميل الضوء إلى البعد، أترك القلم جانبا وأنظر إلى الخارج. أرى الغيوم تتحرك ببطء، وأستمع إلى نسيم الشجر، وأعلم أنكن هنا بطريقة ما، متخفيات، لكن قلوبكن لا تزال تصنع ألحانا لا يسمعها أحد غيري.
ممن لا يزال يرى وجوهكن في كل غروب يمر، ويحملكن بهدوء داخل قلبه








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الثقافة الأمازيغية في تونس.. إرث قديم يعود إلى الواجهة


.. زين البحرين تحتفي باليوم الرياضي البحريني بفعالية تعزز ثقافة




.. السينما الليبية… مخرج شاب يتحدى غياب الدعم ويصوّر فيلمه في م


.. ستايل توك - Tom Ford و Adele في عمل واحد قريبا في فيلم Cry t




.. الكلاسيكو - لقاء مع كابتن أحمد بلال والناقد الرياضي أحمد درو