الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


حين تنتصر اللغة قبل الدبابة: كيف صنعت «دولة إسرائيل» نفسها في الوعي قبل الجغرافيا؟

يحي عباسي بن أحمد
كاتب

(Abassi Yahia Ben Ahmed)

2025 / 12 / 9
القضية الفلسطينية


ليست أخطر المعارك تلك التي تُخاض بالسلاح وحده، بل تلك التي تُخاض على مستوى المصطلح؛ لأن من ينجح في تسمية الأشياء ينجح في توجيه الوعي بها، ومن يوجّه الوعي يربح نصف الصراع دون إطلاق رصاصة واحدة. من هذا المنظور، لا يمكن فهم ترسّخ عبارة «دولة إسرائيل» في الخطاب العربي والإسلامي بوصفه حدثًا سياسيًا عابرًا، بل يجب قراءته كتحوّلٍ أنطولوجي في تمثّل العدو: من كيان استيطاني مغتصِب إلى «دولة طبيعية» في النظام الدولي.
المصطلح بوصفه سلطة لا وصفًا
الدولة، في الفلسفة السياسية الحديثة، ليست مجرد إدارة وسلطات وجيش، بل هي تمثيل رمزي للشرعية والاستقرار والسيادة. حين يتحوّل الكيان الصهيوني في الوعي العربي من «الاحتلال» إلى «الدولة»، فإننا نكون قد نقلناه من خانة المشروع غير المشروع – أخلاقيًا وتاريخيًا – إلى خانة الواقع السياسي القابل للتفاوض والتعايش.
هنا لا يعمل المصطلح كأداة لغوية، بل كـقوة معرفية تعيد تشكيل بنية الإدراك. فقولنا «دولة إسرائيل» لا يصف فقط واقعًا مفروضًا، بل يشارك – من حيث لا نشعر – في إعادة إنتاج شرعيته الرمزية. وهكذا تصبح اللغة نفسها إحدى أدوات التطبيع الأعمق.
كيف ترسّخ المصطلح في الوعي العربي؟
لم يدخل هذا المصطلح دفعة واحدة، بل تسلل عبر مسارات متداخلة:
1. الشرعية الدولية: قرار التقسيم سنة 1947 نقل الصراع من وضعية «الاغتصاب الاستعماري» إلى إطار «حل قانوني دولي»، فانتقل الكيان من حالة العصابات المسلحة إلى حالة الدولة المنتظرة اعترافًا.
2. اتفاقيات السلام: مع كامب ديفيد وأوسلو، تحوّل الاعتراف من ضغط خارجي إلى خيار سياسي عربي رسمي، فدخل المصطلح إلى الوثائق والخرائط والمناهج.
3. الإعلام: تبنّي وكالات الأنباء العربية للمفردات الغربية («الجيش الإسرائيلي»، «الحكومة الإسرائيلية») صنع تكييفًا لاواعيًا مع صورة الدولة.
4. النخب والمناهج: أُعيد إنتاج المصطلح داخل الجامعات والكتب المدرسية، فتحوّلت فلسطين في المخيلة الجديدة من أرض مغتصبة بالكامل إلى «أراضٍ متنازع عليها بين دولتين».
1. بهذا التراكم، وقعت الهزيمة الرمزية قبل الهزيمة السياسية؛ إذ خسر العقل العربي معركة التسمية قبل أن يخسر معركة القوة.
هل «إسرائيل» دولة بالمعنى الفلسفي الحديث؟
إذا انتقلنا من تحليل المصطلح إلى فحص الواقع البنيوي، فإن السؤال الجوهري هو:
هل يحمل هذا الكيان بالفعل مقومات الدولة الحديثة كما صاغتها الفلسفة السياسية؟
5. الشعب
الدولة الحديثة تقوم على شعب متجذّر تاريخيًا في الإقليم. بينما يقوم الكيان الإسرائيلي على تجميع استيطاني متعدد الأصول والثقافات، موحّد بعقيدة دينية-عرقية لا بتجربة تاريخية وطنية واحدة. نحن هنا أمام «تركيب استيطاني» لا «أمة عضوية».
2. الإقليم
الدولة الحديثة ذات حدود مستقرة. أما إسرائيل فحدودها متحركة، نابعة من القوة لا من التحديد القانوني النهائي: توسّع، ضم، جدار، مستوطنات. الحدود هنا وظيفة أمنية لا إطار سيادي مستقر.
3. السيادة
السيادة تفترض استقلال القرار. لكن اعتماد الكيان جذريًا على الدعم العسكري والسياسي الغربي، خصوصًا الأمريكي، يجعل سيادته وظيفية لا ذاتية بالكامل.
4. المواطنة
الدولة الحديثة تقوم على المساواة القانونية بين مواطنيها. بينما تقوم إسرائيل على «يهودية الدولة»، أي على أولوية عرقية/دينية في المواطنة، وهو ما يُخرجها من نموذج الدولة المدنية إلى نموذج الدولة العرقية.
5. العنف
الدولة تحتكر العنف داخل حدودها لضبط النظام. أما الكيان الإسرائيلي فيُنتج العنف خارج حدوده باستمرار بوصفه جزءًا من استراتيجيته الوجودية، لا بوصفه استثناءً دفاعيًا.
النتيجة الفلسفية
من هنا يمكن القول إن إسرائيل تشبه الدولة مؤسسيًا، لكنها لا تطابقها وجوديًا وأخلاقيًا وفلسفيًا. هي دولة في الشكل، كيان استيطاني في الجوهر، ووظيفة متقدمة في منظومة الهيمنة الغربية في المنطقة.
ولذلك، فإن أعظم إنجاز استراتيجي للصهيونية لم يكن فقط احتلال الأرض، بل احتلال الوعي عبر المصطلح. حين قبلنا أن نصف ما يجري على أنه «نزاع بين دولتين»، طُمس البُعد الاستعماري الإحلالي للصراع، وتحولت الجريمة إلى «خلاف سياسي»، والاقتلاع إلى «إشكال حدود».
خاتمة: استعادة الوعي تبدأ من استعادة اللغة
لا يمكن لأي مشروع تحرري أن ينهض بلغة مهزومة. فالمعركة على المصطلح ليست ترفًا لغويًا، بل هي معركة على طبيعة الواقع ذاته. ما لم يُستعد وصف الصراع باعتباره صراعًا مع مشروع استيطاني عنصري، لا مع «دولة طبيعية»، سيظل الوعي العربي يدور داخل الأسوار المفاهيمية التي بناها له خصمه.
إن أخطر أشكال الهزيمة هي تلك التي لا نشعر بها لأنها تستقر داخل كلماتنا اليومية. وحين تصبح اللغة محايدة زائفة، يصبح الوعي نفسه مشلولًا وهو يظن أنه موضوعي.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الاتحاد الأوروبي يشكك بمجلس السلام الذي أطلقه ترامب بشأن غزة


.. أوكرانيا: اتفاق مع ترامب بشأن الضمانات الأمنية الأمريكية ومح




.. محلل عسكري روسي: بوتين بالغ الدهاء ويعرف كيف يكون في صف ترمب


.. حركة حماس تؤكد أنها متمسكة وملتزمة باتفاق وقف إطلاق النار با




.. الجيش السوري ينتشر في معبر اليعربية عند الحدود العراقية بريف