الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


انتصاراتُ الكُردِ في ميدانِ المعركةِ تُمحى على طاولةِ المفاوضات.

حجي قادو
كاتب وباحث

(Haji Qado)

2025 / 12 / 9
مواضيع وابحاث سياسية


يذهب كثيرون إلى القول إنّ الكورد يحققون مكاسب ميدانية على الأرض، لكنهم سرعان ما يفقدون ثمار تلك المكاسب على طاولة المفاوضات السياسية. وأجدني ميّالًا إلى الاتفاق مع هذا الطرح، ليس من باب جلد الذات، بل من باب القراءة الواقعية لتجارب سياسية متراكمة.

المفارقة المؤلمة أن الخلل لا يكمن غالبًا في صدق القضية، ولا في عدالة المطالب، بل في كيفية توظيف الخطاب السياسي والإعلامي في المكان والزمان الصحيحين. فالكورد يمتلكون في العادة خطابًا عاطفيًا صادقًا، نابعًا من عمق المعاناة، لكنه في كثير من الأحيان يُستخدم في سياقات لا تخدم الهدف الاستراتيجي المرجو.

نشهد في مناسبات عديدة اعتصامات ومظاهرات واسعة في مدن العالم، تُرفع خلالها شعارات، وتُستخدم رموز وصور لا تنسجم دائمًا مع طبيعة الحدث أو رسالته الأساسية. فتخرج الفعالية عن مسارها، وتضيع البوصلة، وتتحول الطاقة الجماهيرية إلى فعلٍ رمزيٍّ محدود الأثر، لينتهي المشهد بالعودة إلى نقطة الصفر.

وفي حالات أخرى، تتخذ ردود الأفعال طابعًا انفعاليًا يضرّ بالقضية أكثر مما يخدمها. ويمكن ملاحظة ذلك في مواقف الاحتجاج على وجود بعض القوى الدولية، حيث تم التعبير عن الرفض بأساليب تتناقض مع التفاهمات السياسية المسبقة، ما يُظهر الحركة السياسية بمظهر المتناقض مع نفسه، ويُضعف صدقيته أمام الرأي العام الدولي.

أما في المحافل الدولية، فإن الإشكالية تتكرر بصيغة أكثر وضوحًا. ففي مؤتمرات تُعنى بقضايا محددة، كحقوق الأقليات، أو حماية اللغات والثقافات، يُفترض أن يكون الخطاب موجّهًا بدقة نحو الموضوع المطروح. لكن كثيرًا ما يتحوّل الخطاب الكردي إلى مسارٍ عام يتناول الانتهاكات، والجرائم، والدساتير، بدل التركيز على العنوان المركزي للمؤتمر، ما يُفقد الرسالة تركيزها، ويُضعف أثرها السياسي والحقوقي.

ورغم كل ذلك، لا يمكن إنكار أنّ الخطاب الكردي في جوهره صادق، عميق، ومؤثّر، لأنه يستند إلى معاناة حقيقية وتجربة تاريخية طويلة. غير أنّ المشكلة تكمن في غياب الاحترافية في إدارة هذا الخطاب، لا في مضمونه.

إنّ ما يحتاجه الكورد اليوم ليس فقط إيصال الصوت، بل إتقان لغة المخاطبة السياسية. فمن الضروري الانتقال من ردّ الفعل إلى الفعل المنظّم، ومن العاطفة وحدها إلى الاستراتيجية الواعية. كما أنّ من المهم إعادة تعريف الخطاب: فالكورد ليسوا “أقلية” بالمعنى التاريخي، بل شعبٌ يعيش على أرضه التاريخية، وما تعرّض له من تجزئة لم يكن نتاج ضعف داخلي، بل نتيجة لتقاطعات المصالح الدولية، والتحالفات التي أعادت رسم خرائط المنطقة.

إنّ الحديث عن النِّسَب السكانية في ظلّ واقع التقسيم القسري لا يخدم القضية بقدر ما يخدم سرديات الخصوم. فالحقّ التاريخي لا يُقاس بالأرقام وحدها، بل بالجغرافيا والهوية والامتداد الحضاري.

وخلاصة القول: إنّ الانتصار الحقيقي لا يكتمل في ساحات القتال وحدها، بل يُصان على طاولات السياسة، ويُحرس بخطابٍ رصين، مدروس، واحترافي. فالقضية العادلة لا يكفي أن تكون عادلة، بل يجب أن تُدار بعدالة وحكمة.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الجيش السوري يطالب القوات الكردية بالانسحاب من مناطق شرق مدي


.. تصعيد غير مسبوق شرق حلب.. ماذا يعني إنذار الجيش السوري لـ قس




.. حماس: استمرار استشهاد المدنيين بالبرد وانهيار المنازل يؤكد أ


.. دول أوروبية تستدعي سفراء إيران وموسكو تقول إن تهديدات واشنطن




.. عاجل | وزير الدفاع الإيراني يهدد باستهداف القواعد الأمريكية