الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


العراق: اقتصاد واحد بمسارين… رفاهية السلطة ومعاناة الشعب

سهام يوسف علي

2025 / 12 / 11
الادارة و الاقتصاد


هناك بلدان تعيش اقتصادًا واحدًا، وبلدان تنهار لأنها بلا اقتصاد، لكن العراق يعيش مفارقة أشد غرابة: اقتصادان في دولة واحدة، وواقعان لا يلتقيان إلا على ورق الموازنة.
مسار للسلطة… ومسار للشعب..
اقتصاد مرفّه للرئاسات الثلاث واحزابها، وواقع منهك للناس، القمة تعيش الامتياز، والقاع يرزح تحت الضغوط.

أولًا: مسار السلطة – عالم بلا أزمات
في هذا المسار، لا وجود للأزمات، لا بطالة، لا تقشف، لا قلق من أسعار النفط ولا من الانكماش ولا من ارتفاع التضخم ، هنا تعيش الرئاسات الثلاث وأحزابها ووزاراتها وأفواج حماياتها، حيث:
الرواتب لا تمسّ ،المخصصات لا تُخَفَّض ،الحمايات تُزاد بدل أن تُقلَّص، السيارات المصفحة تُستورد ولو جفّت الخزينة ،والامتيازات لا تتوقف حتى بعد مغادرة المنصب.
وفي هذا المسار، لا معنى لوقف التعيينات، لأن أبناء الطبقة السياسية غير محتاجين لسوق العمل أصلًا. والأهم: أن الدولة خصّصت 5 مليارات دينار سنويا في الموازنة للأحزاب، في بلد لا يستطيع توفير وظيفة لخريج يحمل شهادة عليا.
هذا مسار مغلق على نفسه، تديره مصالح فئات معينة، وتغذّيه موارد الدولة، ويقف بعيدًا عن تقلّبات السوق وعن هموم الناس.
ثانيًا: مسار الشعب – هشاشة يومية ومعاناة مستمرة.
المسار الثاني ، هو مسار العراقيين الحقيقي، مسار يقف على الحافة دائمًا، حيث يعيش المواطنون ،المعاناة اليومية :انقطاع الكهرباء ، شح المياه، تدهور شبكة الصرف الصحي،الازدحامات المرورية المفرطة وتلوث الهواء ، ولا تقتصر الضغوط على الخدمات الأساسية فحسب، بل تضطر الأسر أيضًا لتحمل أقساط جامعات ومدارس أهلية تفوق إمكانياتها المادية، كل يوم يزداد شعور المواطن بالعجز، بينما الدولة عاجزة عن توفير أبسط الخدمات الأساسية.
في هذا المسار، يعيش الناس على:
- رواتب ثابتة تكفي لتغطية احتياجاتهم اليومية.
- بطالة متصاعدة بلا أفق حقيقي لحلها.
-غياب قطاع خاص قادر على امتصاص القوة العاملة أو توفير فرص اقتصادية جديدة.
- آلاف الخريجين بلا وظائف، خصوصًا من الجامعات الأهلية، مما يزيد الضغط على سوق العمل الهش.
مسار الشعب مكشوف لجميع الصدمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، بينما يعيش المسؤولون في فقاعة محمية لا تشعر بأي أزمة، مما يوسع الفجوة بين الاقتصادين ويجعلها مأساوية بلا شك.
كيف تعيش دولة بهذا الانقسام؟
الدولة التي تعيش هذه الأزدواجية ،فهي تعيش ازدواجًا أخلاقيًا قبل ان يكون اقتصاديا :
1. مسار السلطة محصّن ضد الهزات، ضد تقلبات النفط، وضد أزمات الموازنة.
2. مسار الشعب مكشوف أمام كل أزمة، وأمام كل خطأ سياسي، وأمام كل موسم انتخابي.
العلاقة بين الدولة والمجتمع مختلة: الدولة تأخذ من مسار الشعب لتمويل مسار السلطة، لكنها لا تعيد شيئًا من مسار السلطة إلى المواطنين. وكلما ضاق مسار الشعب، ازدهر مسار السلطة. وكلما تراجع الإنفاق على الخدمات، ارتفع الإنفاق على الامتيازات، وكلما توقفت التعيينات، توسعت أفواج الحمايات وميزانيات الأحزاب.
المفارقة الكبرى: في الدول التي بُنيت على قاعدة احترام المال العام: راتب الرئيس محدد بقانون صارم ،نفقات الضيافة تخضع للتدقيق. ،مكتب أي مسؤول يُغلق فور مغادرته المنصب ،لا وجود لحمايات إلا في الحدود الدنيا، ولا يدخل المسؤول البرلمان أو الحكومة بدافع الراتب، بل بدافع السجل السياسي.رئيس وزراء السويد يقود سيارته بنفسه، ورئيسة وزراء نيوزيلندا السابقة كانت تتسوق بيدها وتحمل أكياس البقالة، والرئيس الفرنسي يخضع ،كأي موظف، لرقابة مالية دقيقة على نفقاته ،هكذا تُبنى الدولة: حين يكون كبار المسؤولين موظفين يخدمون الناس، لا مالكيًن لامتيازات .
لكن في العراق، انقلب المفهوم رأسًا على عقب. صارت الرئاسات الثلاث وما يتبعها من أفواج حماية ورواتب فلكية وامتيازات مستمرة بعد ترك المنصب، نموذجًا للقطيعة التامة مع فكرة “الخدمة العامة. المسؤول ليس موظفًا هنا، بل «مستفيدًا أول»، وأحيانًا «مُلكًا سياسيًا» تتحرك حوله موارد الدولة كما تتحرك الأقمار حول الكواكب، وهكذا تُنتج السلطة لنفسها طبقة محصّنة ضد التقشف، ضد الأزمات.
ان الدولة لا يمكن أن تستقر بقدمين غير متساويتين ، و إن العراق لن ينهض إلا حين يعود ليعيش مسارا واحدًا، يخضع له الجميع ويخدم الجميع، وينتمي إليه الجميع ، من أعلى الهرم إلى أسفله.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. من يحكم صحراء الذهب في السودان؟


.. قراءة اقتصادية.. تداعيات الحرب تمتد إلى جيوب الأمريكيين عبر




.. قراءة اقتصادية.. كيف أثرت الحرب وإغلاق هرمز على واردات الصين


.. قراءة اقتصادية | التصعيد الأمريكي الإيراني.. مخاوف على إمداد




.. قراءة اقتصادية.. تأثير التوترات الجيوسياسية على إمدادات الم