الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الرئيس ترامب يحاول إحياء عقيدة مونرو الاستعمارية

آدم الحسن

2025 / 12 / 12
مواضيع وابحاث سياسية


أصدر الرئيس الأمريكي ترامب في 4 كانون الأول / 2025 وثيقة تتضمن الاستراتيجية الشاملة للأمن القومي الأمريكي التي سيعتمدها في سياسته تجاه دول العالم المختلفة , تضمنت هذه الاستراتيجية الجديدة مسارات عدة من بينها و لعل اهمها المسار المتعلق بهدفه لتحقيق هيمنة الولايات المتحدة الأمريكية على النصف الغربي من العالم .
من المؤكد أن الرئيس ترامب قد ادرك ان ممارسة أمريكا دور الشرطي على العالم بأجمعه هي سياسة لم تجلب لأمريكا سوى أمرين كارثيين تدفعان بأمريكا نحو هاوية الانهيار الاقتصادي , و هذان الأمران هما :
الأمر الكارثي الأول : دين عام تجاوز 37 ترليون دولار من ضمنها حوالي 25 ترليون دولار ديون خارجية , حقيقة إن هذا الدين هو دين هائل لا تستطيع امريكا الاستمرار في تحمله فالفوائد المترتبة على هذا الدين قد وصلت الى حدود ترليون دولار سنويا .
الأمر الكارثي الثاني : عجز في الميزان التجاري لأمريكا مع دول العالم وصل الى حدود الألف و ثلاثمئة مليار دولار سنويا لصالح العديد من دول العالم على حساب مصلحة الأمة الأمريكية .
إذ لم تتم معالجة مشكلة الدين العام لأمريكا و العجز في ميزانها التجاري ستكون النتيجة الحتمية هي انهيار الاقتصادي الأمريكي , لذا اتخذ الرئيس ترامب اجراءات واقعية لإنقاذ الاقتصاد الأمريكي من الانهيار , تمثلت هذه الاجراءات بنهجين أساسيين هما :
النهج الأول : اتباع سياسة " أمريكا أولا " , لا شك أن اتباع هذه السياسة سينعكس ايجابا بشكل أساسي و كبير على تقليص العجز في الميزان التجاري الأمريكي و أنعاش القطاعات الصناعية الأمريكية المختلفة و كذلك سيساهم في تقليص حجم الذين العام الأمريكي .
النهج الثاني : تخلي أمريكا عن ممارسة دور الشرطي على كل العالم و الاكتفاء بممارسة هذا الدور على النصف الغربي من العالم فقط , أي على قارة أمريكا الشمالية و أمريكا الجنوبية و هذا سيقلص بدرجة كبيرة الدين العام الأمريكي .
لقد اعتمد الرئيس ترامب في رسم استراتيجيته تجاه قارة أمريكا الجنوبية كما ورد في استراتيجيته الشاملة للأمن القومي الأمريكي على عقيدة الرئيس الأمريكي جيمس مونرو , تلك العقيدة التي اطلقها الرئيس مونرو في القرن التاسع عشر و تحديدا في 2- 12- 1823 و التي اتخذتها الولايات المتحدة الأمريكية في تلك الفترة كاستراتيجية لإزاحة الاستعمار الأوربي عن دول قارة أمريكا الجنوبية و بسط هيمنتها على هذه الدول بدلا عنه .
يبدو أن الرئيس ترامب على قناعة من قدرته على اعادة عجلة التاريخ الى الوراء , فعقيدة مونرو وجدت لها ظرف تاريخي مناسب مكنت الولايات المتحدة الأمريكية من تحقيق هيمنتها على دول أمريكا الجنوبية , ذلك الظرف الذي كانت فيه الحروب الاستعمارية بكل وحشيتها و ما يتخللها من ابادة جماعية للشعوب التي ترفض و تقاوم المستعمر أمرا ممكننا , في تلك الحقبة من الزمن لم تجد الحروب الاستعمارية رأي عام دولي ضدها , فقبل قرنين من الزمن لم يكن هنالك رأي عام دولي أصلا , أما في زمننا الحالي فقد أصبح هنالك رأي عام دولي مؤثر و رأي عام في الداخل الأمريكي يقيدان و يمنعان حدوث مثل تلك الحروب الوحشية التي كانت تجري في زمن الرئيس مونرو و لا حتى مثل الحرب الوحشية التي شنتها أمريكا قبل حوالي نصف قرن على الشعب الفيتنامي .
هنالك سؤال مهم جدا حول قدرة أمريكا على فرض هيمنها على دول قارة أمريكا الجنوبية :
- هل يستطيع الرئيس ترامب خوض حروب استعمارية جديدة لإخضاع شعوب قارة أمريكا الجنوبية للهيمنة الأمريكية ...؟
الجواب الأكيد هو : لا لن يستطيع , لأنها ستكون حروب مكلفة اقتصاديا و أعلى بكثير من المردود و المنفعة الاقتصادي لهذا الاستعمار و الهيمنة , أي انها ستكون صفقات خاسرة , و المعروف عن ترامب أنه يبحث عن صفقات مربحة .
قد يتخذ الرئيس ترامب , على سبيل التجربة , قرار باحتلال قناة بنما و جعل هذه القناة ملكا للولايات المتحدة الأمريكية , من المؤكد أنه سيجد أن عليه ليس احتلال هذه القناة فقط بل عليه ايضا احتلال دولة بنما , هذه الدولة الصغيرة التي عدد سكانها اقل من خمسة ملايين نسمة , و أن ما سيجده كنتيجة لذلك أن كلفة حراسة القناة و كلفة ادامة الاحتلال الاستعماري لدولة بنما اعلى بكثير من إيرادات القناة التي هي أقل من ستة مليارات دولار سنويا , لذلك ستتراجع ادارة ترامب و الادارات التي ستأتي بعدها عن احتلال قناة بنما لكونها صفقة خاسرة .
السؤال الأخر المهم و الصعب امام الرئيس الامريكي ترامب :
- إذا كان احتلال دول قارة أمريكا الجنوبية هو ليس أمرا صعبا فقط بل هو أمر بحكم المستحيل فكيف تستطيع أمريكا فرض هيمنتها على شعوب دول هذه القارة ...؟
كبديل عن الاحتلال المباشر قد تلجأ أمريكا الى تنصيب حكومات عميلة لها تحكم دول قارة أمريكا الجنوبية بحيث تعمل هذه الحكومات لصالح المستعمر الأمريكي على حساب المصالح الوطنية لشعوبها , لكن في هذه الحالة ستصبح أمريكا في مأزق كبير ايضا إذ كيف ستتمكن من حماية هذه الحكومات العميلة من غضب و ثورة شعوبها , و التي ستكون بأشكال متعددة , احتجاجات سلمية , عصيان مدني , انقلابات عسكرية , ثورات مسلحة تعتمد أسلوب حرب العصابات و غيرها من الممارسات النضالية للشعوب التي تسعى لنيل حريتها .
لا شك أن الرئيس ترامب و كل من سيأتي بعده من رؤساء أمريكا سيكتشف أن الحلم الاستعماري الأمريكي المبني على عقيدة مونرو اصبح في مزبلة التاريخ و إن إحياء هذه العقيدة الاستعمارية هو أمر مدمر لأمريكا و إنه لا يمكن إرجاع عجلة التاريخ الى الوراء .
هنالك مسألة أخرى , فبعد أن يدرك الرئيس ترامب أن زمن الاستعمار و الهيمنة في طريقه الى الزوال هل سيلجأ الى اقامة علاقات عادلة بين أمريكا و دول قارة أمريكا الجنوبية وفق مبدأ الشراكة و المصالح المشتركة ...؟
إن عمل الرئيس ترامب على اقامة علاقات مع دول قارة أمريكا الجنوبية مبنية على أساس العدالة و المصالح و المنافع المشتركة فسيقضي هو بنفسه على مشروعه الاستعماري الرامي إخضاع دول هذه القارة وفق عقيدة مونرو .








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. هل تعيد واشنطن رسم توازناتها بين الرباط والجزائر؟ | مسائية


.. الذكاء الاصطناعي: من يرسم الضوابط وكيف؟ • فرانس 24




.. لبنان يرفض أن يكون ورقة تفاوض بيد أي طرف.. هل تتعقد المفاوضا


.. مرحلة اضطراب ميداني ومواجهات -كر وفر- غير مستقرة في الشريط ا




.. القوات الحكومية اليمنية: استهداف مسيرة عنصرا من الحوثيين في