الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
المرأة الأخرى
عماد الطيب
كاتب
2025 / 12 / 13
الادب والفن
لم ولن أكتب عنكِ. لن أمنحك شرف أن تشتعل حروفي لأجلك، أو أن تتفحّم كلماتي في سبيل حضورٍ لم يكن يومًا حضورًا. أنتِ نُقطة عابرة في سطرٍ لم ألتفت إليه، ظلٌّ قصير لنهارٍ لم أعرفه، وصدفة لغوية لا تستحق حتى محوها. لستِ في ميزان الحرف وزنًا، ولا في ذاكرة القلب أثرًا، وما عاد في داخلي مكانٌ لأي شيء لا يشبه الحقيقة.
أنا لا أكتب من أجل وجهٍ عابر يشبه شارعًا مررتُ به في لحظة ملل، ولا من أجل ذكرى بحجم غبار، ولا من أجل خيبةٍ صغيرة لم تتعلم حتى كيف تقف. أنا أكتب من أجل امرأة أخرى… امرأة تتقن الحضور حتى وهي غائبة، وتفيض حياةً حتى لو لم أرها قط. امرأة تعلّم القلب معنى أن يسكن أحدهم في ثناياه بلا استئذان، وبلا وعد، وبلا موعد.
أكتب من أجل امرأة لا تُقاس بالمسافات. امرأة إن ابتعدتْ، اقتربتْ. وإن غابت، ازدادت حضورًا. وإن صمتت، تحدّث القلب نيابةً عنها.
هي امرأة تسكن ثنايا القلب كما تسكن الروح أعمق أضلاعها. أكتب لها لأن الكلمات أمامها تتحول من حروف إلى نبض، ومن جُمل إلى كيان، ومن نصّ إلى حياة كاملة. أكتب لها لأن الكتابة عنها ليست ترفًا، بل ضرورة، لأنني إن لم أكتبها اختنقت الكلمات في صدري.
هذه المرأة… ليست محطةً في الطريق. ليست قصة قصيرة تنتهي بآخر السطر. إنها بدايةُ كل شيء، ونهايةُ كل ما سواها.
هي التي يحترمها القدر؛ يمشي ببطء حين يقترب منها، كأنّه يخشى أن يربك ترتيب الكون حولها. هي التي تذكرها الأيام كما يذكر عاشقٌ أوّل قبلة: لا تُنسى، لا تتقادم، لا تشبه أحدًا. الأيام نفسها — تلك التي تذيب الوجوه وتطمس الذاكرة — تتوقف عند ملامحها بإجلال، كأن الزمن يعترف بأنها أكبر من قدرته على التغيير.
والسنين…
السنين التي تسرق كل شيء، تطبق ملامحها أكثر، تزيدها وضوحًا، كأنها تُشيّد حضورها في قلبي حجرًا فوق حجر. تمسح عن كل الوجوه ألوانها، لكنها تزيد وجهها إشراقًا. تُسقط الذاكرة عن كل الذين مرّوا، لكنها تُثبّت صورتها كأنها توقيعٌ لا يُمحى.
ما الذي يجعلها مختلفة؟ ما الذي يجعل القلب يسكنها كما يُسكن وطنًا؟ ما الذي يجعل الكلمات تنحني حين تكتب اسمها في سرّها؟ لأنها ليست امرأةً عادية. لأنها ليست جميلةً فحسب، بل مُدهشة بطريقة لا يمكنك تفسيرها. لأنها لا تأتي إلى الروح… بل تكشف الروح لنفسها.
عيناها — وإن لم أرَهما — لهما قدرة على إعادة ترتيب فوضاي. صوتها — وإن لم أسمعه — له وزن المطر على أرضٍ عطشى.
غيابها .. حضور يمشي في الغرفة. والحلم بها — مهما كان صغيرًا — يكفي ليجعل الواقع أكثر احتمالًا.
أنا أكتب عنها لأن كل امرأةٍ قابلتها كانت مجرّد استراحة، إلا هي… كانت الطريق. كل قصة مرّت كانت مجرد تجربة، إلا هي… كانت يقينًا. كل نبضة أحبّت قبلاً كانت محاولة، إلا نبضها… كان الحقيقة.
من أجلها تشتعل الحروف لا من أجل غيرها. من أجلها يسهر الليل على نافذتي لا من أجل ذكرى لا تستحق. من أجلها تتثاءب المسافات وتتقزم الحدود وتختصر الأرض نفسها.
أما أنتِ… التي تظنين أنني كتبتك فلا تخدعي نفسك كثيرًا. لم أكتبكِ، ولن أكتبكِ.
ما عاد في الأعماق مساحة للأسماء العادية، وما عاد في القلب رغبة في صناعة بطولات وهمية لوجوهٍ لا تعرف حتى كيف تُرى.
كنتِ ظلًا، وانتهى الظل. كنتِ فكرة، وسقطت الفكرة. كنتِ خطأً لم أَبنِ عليه حرفًا واحدًا.
أنتِ فصلٌ لم يُقرأ، ونقطةٌ لم تُكمل جملة، وذكرى لم تتعلّم حتى أن تكون ذكرى. وما كنت لأهدر حبرًا على كتابة ما لا يستحق القراءة.
أما هي… فهي امرأة لو طلبت من النجوم أن تُطفئ نورها لفعلت احترامًا لهيبتها. امرأة لو أرادت من الغيم أن يغيّر مساره لفعل بلا سؤال. امرأة لو قالت للبحر: “اهدأ”، لسكت الموج واستلقى الهواء.
هي امرأة يعرفها القدر، تذكرها الأيام، تحفظها السنين، ولا يجرؤ النسيان أن يقترب من ظلها. امرأة لا تحتاج أن تظهر لتُثبت وجودها؛ يكفي أنها خُلقت من ضوءٍ يليق بالحب.
أكتب عنها لأن الكتابة ليست اختيارًا… إنها انتماء. أكتب عنها لأن القلب حين يعثر على وطنه، لا يعود بحاجة إلى خرائط أخرى. أكتب عنها لأنني — ببساطة — لم أحب غيرها بهذا العمق، ولم أسمح لغيرها أن يصبح لغة كاملة.
ولهذا… حين تتوه الكلمات، تعود إليها. حين يشيخ الحنين، يتجدّد معها. وحين يضيق العالم، تتسع هي.
ولأجلها فقط — لا من أجل أحدٍ سواها — أكتب هذه المقالة. ليس لتعرف أنتِ قيمتك، بل لتعرف قيمتها هي، وليعرف قلبي مرةً أخرى أنّه لا يزال قادرًا على كتابة نصٍّ يشبه الحقيقة.
هي امرأة لا أحتاج أن أراها كي أحبها، ولا أحتاج أن ألمسها كي أشعر بها. امرأة تُكتب بالقلب، لا بالقلم. امرأة تُحفر في الذاكرة بلا مجهود، وتُحفظ في الروح بلا وصاية، وتبقى حتى حين يتآكل العالم من حولي.
ولذلك — بكل وضوح، بكل صدق، بكل صدمة تريدينها — لم ولن أكتب عنكِ، ولن أخلّد حضورك العابر في حرفٍ واحد، لأن كل الحروف التي ولدت في داخلي وُجدت لأجل امرأةٍ تسكن القلب كما يسكن الضوء عين النهار، ولا تحتاج إذنًا كي تبقى… لأنها خُلقت لتبقى.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. السينما الليبية… مخرج شاب يتحدى غياب الدعم ويصوّر فيلمه في م
.. ستايل توك - Tom Ford و Adele في عمل واحد قريبا في فيلم Cry t
.. الكلاسيكو - لقاء مع كابتن أحمد بلال والناقد الرياضي أحمد درو
.. الكلاسيكو - هل سموحة ممكن يعمل مفاجأة أمام الزمالك ..شاهد ر
.. الكلاسيكو - توروب بيعمل تبديل بين الشناوي وشوبير ليه ؟ شاهد